اسماعيل آلرجب - قراءة نقدية في الزوايا المتعددة من رواية "مصنع السكر'' للكاتب محمد شعير

تقديم :-

يستهل المؤلّف روايته بتغزّل بطل الرواية زياد بعشيقته ورد وبدا لنا أنّه لا يتعامل مع اسم "ورد" كعلم مجرد، بل ككيان حسي. يقول: "انطق الكلمة مراراً بهدوء وتأنّ، وانظر كيف تكون حالة نفسك بعدها". هنا يتحول الغزل من وصف الشكل إلى غزل صوتي ونفسي. الكاتب نجح في جعل الاسم "ملاذاً" من فوضى الواقع (الحرب في سوريا)، فـ "ورد" ليست مجرد امرأة، بل هي مرادف لـ "الطمأنينة والسلام" في زمن التوحش . حيث يظهر في النص استعارة بديعة: ''ياوردة صباحي الحزين يليق بك الألق لكنّي اشعر انّك استبدلت قافه بالميم ، هذا التلاعب اللفظي بين (الألق) و (الألم) يلخص فلسفة الحب في زمن الحرب.
وبدا لنا انّ الغزل هنا وفي مجمل العلاقة المحوريّة بين زياد وورد يسكنه الألم . هذا الربط بين العاطفة العميقة والموت المتربص يمنح الرواية بعداً تراجيدياً يجعل القارئ يشعر بأن كل كلمة حب هي محاولة للبقاء على قيد الحياة.
تتجلى عاطفة "زياد" في مراقبته الصامتة: ''صرت اضغط على اسمها كلما كتبت لي تعليقا يحملني الى سمائها ويأخذني إلى ارضها '' ، هناك حالة من "الهجرة العاطفية"؛ فبطل الرواية يعيش في مصر جسدياً، لكن روحه معلقة بـ "النقرات" والتعليقات القادمة من سوريا. هذا النوع من الغزل يعبر عن "الاغتراب" الذي يعيشه الإنسان المعاصر، حيث تصبح الشاشة هي النافذة الوحيدة للضوء.
يتميز غزل محمد شعير على لسان الرّاوي في هذه المقاطع بكونه غزلاً إنقاذياً؛ هو لا يتغزل بـ "ورد" ليمدح محاسنها فقط، بل ليمسك بالحياة من خلالها. اللغة اتسمت بالرقة المفرطة ، والقدرة على تحويل المأساة السورية إلى خلفية تبرز طهرانية الحب ونقاء العاطفة.
القراءة النقديّة:
1 . التدفّق العاطفي وعذوبة الغزل:
تبدأ الرواية بتدفق عاطفي جارف، حيث يرسم محمد شعير ملامح العلاقة بين زياد المصري وورد السورية. لا يكتفي الكاتب بالوصف السطحي، بل يغوص في "الغزل المثير" الذي يعكس تماهي الهويتين المصرية والسورية في بوصلة الحب. هذا التدفق ليس مجرد حشو رومانسي، بل هو "السكر" الذي يمهد القارئ لمرارة الأحداث اللاحقة.
2 . تعدد الأصوات:
اعتمدت الرواية تقنية البوليفونية (تعدد الأصوات)، حيث لم ينفرد راوٍ واحد بالهيمنة على الحقيقة.
أ . الانتقال السلس: تنقل شعير بين ضمير المتكلم (للبوح) وضمير الغائب (للمراقبة والتحليل) بتقنية مدهشة.
ب . الأثر الفني: هذا التباين جعل القارئ شريكاً في الحدث، يرى الحكاية من زوايا متعددة، مما أضفى واقعية ومصداقية على الصراعات النفسية للشخصيات.
3 . لغة السّرد:
تتميز الرواية بقدرة فائقة على "تسلل المفاهيم" بسهولة ، حيث أنّ النص لا يصدم القارئ بتعقيدات لغوية، بل ينساب كالنهر. الصور الفنية هنا توصل أعمق الأفكار الوجودية إلى ذهن القارئ بيسر وسهولة، مما يجعل القراءة تجربة بصرية وذهنية في آن واحد.
4 . الفضاء الصّوتي:
استخدم المؤلف التضمين الشعري واستحضار أغاني فيروز واللهجات المحليّة كخلفية موسيقية للرواية.
أ . تداخل العامية المصرية بروحها الساخرة والجميلة مع العامية السورية برقتها وعمقها.
ب . لم يكن توظيف هذه الألفاظ مجرد زخرف، بل كانت أدوات لتعميق "الخطاب السردي" وجعله قريباً من الوجدان العربي المشترك، وكأن الموسيقى واللهجة هما الوطن البديل للأبطال.
5 . التحوّل النوعي إلى تيار الوعي في النصف الثاني من الرواية:
أ . تيار الوعي: ينحسر التدفق الرومانسي ليحل محله "تيار الوعي" الذي يغوص في الأسئلة الوجودية.
ب . مواجهة القمع: يبدأ السرد في رصد أثر الأنظمة القمعية، حيث يتحول الخوف من شعور عابر إلى حالة وجودية تشلّ حياة الناس. هنا، يصبح "مصنع السكر" رمزاً لشيء أبعد من اسمه، ربما لمعمل يصهر الأرواح أو يعيد تشكيلها تحت الضغط.
6 . تشريح الواقع الاجتماعي:
لم يغفل الراوي عن تشريح الواقع الاجتماعي، فتناول بجرأة تأثير الانتماء الديني والطائفي على العلاقات الإنسانية. أظهرت الرواية كيف يمكن للحدود الطائفية أن تبني جدران عازلة بين القلوب، وكيف يتحول الانتماء من ملاذ إلى سجن يقيد نمط العلاقات العاطفية ويحدد مصائرها.
7 . المشهدية السينمائية:
اعتمد شعير تقنية "المشهدية السينمائية":
أ . المكان: يتم تصويره بكامل تفاصيله الفيزيائية (الروائح، الإضاءة، المكونات).
ب . التفاعل الحسي: لا تتحرك الشخصية في فراغ، بل تتفاعل مع محيطها، مما يجعل القارئ يختبر الحالة النفسية للبطل من خلال حركة جسده أو تفاعله مع الأشياء من حوله.
الرأي النقدي:
رواية "مصنع السكر" هي رحلة من "الحلاوة" الحسية إلى "المرارة" الوجودية. استطاع محمد شعير من خلالها أن يثبت أن الرواية ليست مجرد حكاية، بل هي مختبر لغوي وفلسفي يعيد قراءة الواقع العربي من منظور إنساني بحت.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى