حسن زارو - رواية المغاربة؛اختبار للوعي أم حكاية للانتماء؟..

عرف العمل الروائي بالمغرب، منذ تشكّله الحديث، مسارًا إشكاليًا لم يكن فيه السرد غاية في ذاته، بل وسيلة لفهم تحوّلات المجتمع، وتمثّل تشققات الذات، ومساءلة التاريخ والسلطة والذاكرة. فمنذ البدايات الأولى، ظلّ السؤال الروائي مشدودًا إلى توتر مزدوج: توتر التأسيس التقني لشكل أدبي وافد، وتوتر البحث عن معنى في واقع معقّد، مثقل بالماضي، ومربك في الحاضر، وملتبس الأفق. ومع تطوّر التجربة، انتقلت الرواية المغربية من همّ الحكاية والتصوير المباشر إلى همّ أعمق: تفكيك أنساق الوعي، ونقد المسكوت عنه، وزعزعة البداهات الثقافية والسياسية التي تُنتج الواقع وتعيد تطبيعه.
في هذا السياق، لم تعد الرواية مجرد مرآة اجتماعية، بل أضحت فضاءً للاختبار الفكري والجمالي، ومجالًا للتجريب، ومواجهة مفتوحة مع القارئ. ضمن هذا الأفق المتوتر، تندرج رواية «المغاربة» للروائي عبد الكريم الجويطي بوصفها نصًا لا يسعى إلى تمثيل الهوية أو الاحتفاء بها، بل إلى تفكيك شروط إنتاجها، وكشف ما يعتمل داخلها من تناقضات وصمت وتاريخ غير محسوم.
لا تُقدّم «المغاربة» نفسها بوصفها رواية أحداث أو شخصيات بالمعنى التقليدي، ولا تُغري القارئ بحبكة متماسكة أو مسار سردي مطمئن. إنها نصّ يضع القارئ منذ البداية أمام امتحان القراءة: قراءة بطيئة، مركّبة، تقوم على الشك والنقد، لا على التلقي السلبي. فالمعنى هنا لا يُمنح جاهزًا، بل يُبنى عبر التوتر بين ما يُقال وما يُضمر، وبين الحكاية المتكسّرة والتأمل الفكري الكثيف.
يشتغل النص على بنية سردية قائمة على التشظي، وتعدد الأصوات، وانكسار الخط الزمني، في اختيار جمالي واعٍ يجعل الشكل جزءًا من الدلالة. فالتشظي ليس تقنية تجريبية معزولة، بل تمثيل لوعي جماعي متصدّع، وهوية مركبة لا يمكن اختزالها في سرد واحد أو أصل ثابت. غير أن هذا الخيار، على وجاهته، يفضي أحيانًا إلى تراكم مقاطع متجاورة دلاليًا دون أن تضيف جميعها كثافة جديدة، ما يخلق لحظات من الإرهاق القرائي، كان يمكن إجرائيًا تداركها بقدر من الضغط أو الحذف دون المساس بجوهر الرؤية.

1770123051033.png

أما التاريخ، فلا يُستدعى في الرواية بوصفه خلفية للأحداث أو مادة توثيقية، بل بوصفه عطبًا مقيمًا في الذاكرة. التاريخ هنا ليس ما حدث، بل ما لم يُحسم، وما ظلّ عالقًا في الوعي الجمعي، يُعاد إنتاجه في اللغة، وفي أنماط السلوك، وفي الخوف الصامت. بهذا المعنى، لا تنتمي «المغاربة» إلى الرواية التاريخية، بل إلى رواية تفكك آليات كتابة التاريخ نفسها، وتكشف كيف يتحول الماضي إلى عبء رمزي يثقل الحاضر بدل أن يفسّره. غير أن هذا الاشتغال الفكري العميق يجعل السرد أحيانًا ينزلق نحو كثافة تأملية تُؤجِّل الفعل الحكائي لصالح التحليل، وهو ما يُحسب لها فكريًا، وإن كان يفرض كلفة جمالية على مستوى الإيقاع.
السياسي في هذا النص ليس خطابًا مباشرًا ولا موضوعًا مُعلَنًا، بل بنية صامتة تتغلغل في كل المستويات. السلطة لا تظهر في صورة جهاز واضح، بل كمنطق داخلي، كآلية استبطان، وكحضور غير مرئي يحكم العلاقة بالذات وبالآخر. إن تغييب التسمية هنا ليس ضعفًا، بل استراتيجية سردية دقيقة، تُبرز أن أخطر أشكال السلطة هي تلك التي تتحول إلى ذهنية، وتُمارَس دون حاجة إلى إعلان أو عنف مباشر.
زمن الرواية بدوره زمن معطّل، لا يقوم على التعاقب بقدر ما يقوم على الدوران. الماضي لا ينقضي، والحاضر لا يستقر، والمستقبل يظل احتمالًا لغويًا أكثر منه أفقًا فعليًا. هذا الزمن المتكسّر ليس خيارًا تقنيًا محضًا، بل ترجمة جمالية لوضع وجودي يشعر فيه الفرد والجماعة بأنهما عالقان في منطقة وسطى، لا هي ماضٍ مكتمل ولا مستقبل قابل للتبلور.
الشخصيات في «المغاربة» لا تُبنى وفق النموذج السيكولوجي الكلاسيكي، بل تُقدَّم بوصفها تمثيلات رمزية لأصوات ومواقع داخل نسيج جماعي مأزوم. هذا الاختيار يخدم المشروع الفكري للنص، لكنه يتم على حساب التماهي العاطفي، إذ يشعر القارئ أحيانًا أنه أمام أفكار متجسدة أكثر مما هو أمام مصائر إنسانية مكتملة. غير أن هذا النقص الظاهري يتوازن عبر الاشتغال على اليومي والهامشي: الأجساد، الصمت، التفاصيل الصغيرة، التي تُنتج سياسة سردية من الأسفل، وتمنح الرواية لحمها الواقعي غير الصاخب.
لغة الجويطي في هذا العمل لغة كثيفة، عالية النبرة، واعية بذاتها. هي لغة تُغني النص حين تنجح في اختزال الفكرة في صورة أو إيقاع، وتُثقله حين تميل إلى الإفراط البلاغي أو التكرار الدلالي. لكنها، في مجملها، ليست زينة أسلوبية، بل أداة اشتغال على الوعي، تُقصي قارئًا وتستدعي آخر، وتحوّل فعل القراءة نفسه إلى ممارسة نقدية. القارئ هنا شريك في إنتاج المعنى، مُطالب بالربط، وملء البياضات، وتحمل عبء التأويل.
من ثمّ، لا يمكن مقاربة «المغاربة» إلا بوصفها رواية اختبار: اختبار للكاتب في مدى وفائه لرهان الشكل والفكر، واختبار للقارئ في قدرته على تحمّل الشك وعدم الارتهان للحكاية المطمئنة. ما قد يُحسب عليها من بطء أو ثقل أو تراجع للحكاية ليس أخطاء عرضية، بل ثمن رهانات جمالية وفكرية عالية المخاطرة. إنها رواية لا تُختزل في قراءة واحدة، بل تستدعي قراءات متعددة: قراءة للفهم، وأخرى للشك، وثالثة للنقد.
وهنا، تحديدًا، تتجلى قيمتها داخل المشهد الروائي المغربي المعاصر: ليست لأنها تُضيف حكاية جديدة، بل لأنها تُعيد طرح سؤال الرواية نفسها، لا كمرآة للواقع، بل كأداة لاختبار الوعي به وزعزعته..

حسن زارو

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى