أحمد رجب شلتوت - حارة سد...

ليست كل حواري قريتنا مفتوحة، نصفها تقريبا حارات سد لكن لكل منها اسم تماما كما الحواري المفتوحة، فقد يعرفونها باسم صاحب أول بيت من بيوتها أو أقدم ساكنيها، إلا واحدة اتخذوا من وصفها اسما لها، كان الكبار يخوفوننا بها، وكنا نصدق أن العفاريت تسكنها، كانت أقصر الحارات وشبه مهجورة، فأصحابها القدامى بنوا بيوتا جديدة بالطوب وتركوا منازلهم الطينية، حولوها إلى زرائب ومخازن للتبن والعلف، وأسكنوا فيها الغرباء الذين استأجروهم لرعاية المواشي وحراستها، لم نكن نراهم إلا عند العودة من الحقول مع الغروب، عم غزولي، بائع الجاز، هو الوحيد الذي لم يهجر القرية فلا حقل له ولا بيت ثان، ربما لذلك استكثروا عليه أن ترتبط الحارة باسمه مع أن بيته في صدارتها جهة اليمين، في مواجهة بيت الشعابنة الذين هجروا القرية كلها ولم يعد أحد يراهم، تركوا البيت خربا وغادروا فكنا إن اقتربنا من بابه المغلق نجري بأقصى سرعتنا حتى لا يلحق بنا عفريت ممن استوطنوه.
كان عم غزولي يقضي يومه جارا الفرس العجوز المتباطئة، اسمها كريمة، كان يربطها إلى عربة الجاز، ويجوب بها شوارع القرية، ابنته حورية كانت تركب فوق العربة وعند مداخل الحارات تنقر على الصاج بحجر صغير لتعلن عن وصولهم، فتخرج النسوة حاملات أوعيتهن ليملأنها بالوقود، إن دفعن نقدا يدس غزولي العملات المعدنية في جيبه، فإن أعطينه بونات التموين كان يدفع بها إلى حورية لتضعها في كيس قماشي، ومع كل بون يناوله لها يوصيها بالحرص عليه فسوف تحاسبه الكوبانية على كل هذه البونات، وكان يحث فرسه على السير بأن يناديها بأعلى صوته “كليماااااااااا”، وكلما أحبت أن يناديها تقف وترفض السير حتى يعاود النداء وكنا نقلده ساخرين، فكانت تشتمنا ابنته وكان ينهرها قائلا:
– عيب يا حوليا
وفي المساء كانت جدي يشعل الفانوس المعلق بباب البيت ثم يصطحبني للسهر مع عم غزولي، لم أكن أحب دخول بيته، إلى يسار الداخل برميل كبير مملوء بالجاز، كنت أخشى اشتعاله فجأة، فأفلت من يد جدي، وأقفز إلى سطح عربة الجاز وأتابع الخالة “تاج” زوجة غزولي وهي تقلب الشاي مرات كثيرة حتى يبرد وتعلوه الرغوة، وكان غزولي يناولني كوب الشاي وقد وضع فيه حتى منتصفه حبات الفول السوداني فآكلها بنهم، وأسمعه يدعو الله أن يرد أبي من الجبهة سالما.
حكيت لجدي عن حبي للفول السوداني المتشرب بالشاي وغرغرة الديوك الرومي التي تملأ سطح الخالة تاج، قلت أن الديوك الرومي وغزولي وتاج سوف يموتون محترقين حينما يشتعل البرميل، فنهرني، وهددني بأن يتركني في الحارة لتخطفني العفاريت إن عدت لمثل هذا الكلام، العم غزولي أخلف ظني مات مريضا في مستشفى المركز، أمسكت به الحمى ولم تتركه إلا صريعا، حورية غابت ساعات ثم عادت بصحبة شقيقها خلف ليحضر الدفن والعزاء، ثم بقى لأسبوع ليبيع العربة والفرس والبرميل الذي فرغ من الجاز، ثم سافر إلى محطة مصر حيث يعمل شيالا، وبعد شهرين من مغادرته سمعنا صراخ حورية تنعي أمها التي ماتت في فراشها.
حورية لم تجد من ينفق عليها فكانت تقضي النهار في خدمة بيوت بعض الموسرين من أهل القرية وفي المساء تجلس القرفصاء عند مدخل الحارة تنتظر ابن الحلال، ولما عاد شعبان الصغير ليسكن بيت الشعابنة المهجور ظننته ابن الحلال المنتظر، قام بترميم الدور العلوي وسكن إحدى غرفه، وملأ الأخرى بالقش، أما الطابق الأرضي فقد حوله إلى ورشة لصنع المقشات، شعبان تعلم الحرفة أثناء غيبته في مصر، فكان يسمي المقشة مكنسة، أحضر صبيانا ليتعلموا الصنعة وكان يشرف عليهم ويشخط فيهم إن أخطأوا ويأخذ منهم ما يصنعون، ليضعه في آلة الكبس التي لم يدعها لأي من صبيانه. وصباح كل يوم جمعة يكتري عربة كارو يحمل فوقها المقشات ليبيعها في بلاد لم أعرفها.
ضحك شعبان حينما طلبت منه أن يعلمني صناعة المقشات فقال انت لسه صغير وتحفظ القرآن في الكتاب وسوف تذهب إلى المدرسة، فلما ألححت أجلسني إلى جوار عم شمس النوبي، الرجل لم يكن يتكلم كثيرا، يصنع الشاي ويعيد تقليبه مرات كما كانت تفعل الخالة تاج، ويقوم برص المقشات وربطها ويكنس باحة البيت بعد انصراف الصبيان، ولما يفرغ يأتي بنايه ويظل ينفخ حتى تسيل دموعه.




لم يكن يسترسل في الكلام إلا حينما يحكي عن حورية، كانت تحبه كأبيها، وكانت تسمح له باستخدام المرحاض الذي تحرم دخوله على صبيان الورشة، اقترح على شعبان أن يتزوجها فرفض قائلا إن وشها أوحش من سمعتها، قال عم شمس أن البنت غلبانة وعبيطة صدقت أن بيتها مسكون، وأن الأسياد هم الذين طفشوا أخيها وموتوا أمها وأبيها ويعطلون زواجها، وسوف تعمل زار لطردهم، لم تقتنع بكلامه حينما حاول إقناعها بخرافة ما تقول، تميل لتصديق زميل أبيها في الكوبانية وقد تكفل بإحضار من يعمل لها الزار.
فلما أحضرهم كانت أشكالهم غريبة أشعرتني بالخوف، الرجال لهم ضفائر طويلة قال شعبان أنها مش طبيعية، والمرأة التي تقودهم سمعها شمس وهي تطالب حورية بأن تذبح ديكين رومي وتنظفهم وتضعهم في الحمام، فإن اختفوا فتلك علامة على أن الأسياد قبلوا الهدية وسيرحلون فإن لم يقبلوها فستأخذهم المرأة لتسلمهم بنفسها لملك الجن الأحمر وهو سوف يتكفل بطرد الأسياد.
سمعه شعبان فنفخ دخان سيجارته وضحك حتى رأينا سنته الذهبية، وهو يضمر أمرا، فلما سمعنا دقات الزار وانشغلنا نحن بالفرجة وتسلل هو إلى الحمام ليخرج بالديكين، فلما توقفت دقات الزار ولم الرجال ذوي الضفائر أغراضهم قصدت قائدتهم الحمام، فوجئت باختفاء الديكين الرومي فغادرت البيت مذعورة وهي تشير لرجالها بأن يتبعوها، وعلت ضحكات شعبان حينما سمعناها تقول بفزع: الأسياد قبلوا الهدية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...