في مكتب هادئ، تسمع طنين جهاز التكييف، وصوت نقرات خفيفة وسريعة على لوحة مفاتيح، وصوت تقليب أوراق رصين، يجلس المدير العام، وفي المكتب المجاور حيث يطغى صوت العملاء والأوراق والآلات الحاسبة على أنفاس الموظفين، تتحرك "أميرة" كفراشة هادئة؛ أناقة مفرطة، وصوت خفيض لا يكاد يُسمع، ورزانة تفرض الاحترام على الجميع.
في لحظة صفاء مهني، وبدافع من زمالة قديمة خلت من التكلف، سألتها عن سر ذلك الهدوء الذي يغلف حياتها بعد الطلاق. تنهدت بعمق، وقالت بلغة حازمة لا تقبل التأويل: إنه عصبي يملأ البيت صراخًا، يرى في حريتي تهديدًا له. أعود من عملي مثقلة بالتعب، فلا أجد منه إلا التضييق. لماذا أصبر؟ لا حاجة لي به؛ فأنا امرأة لدي وظيفتي، وراتبي هو سندي الحقيقي، وكرامتي فوق كل اعتبار؛ لذا اخترتُ الرحيل، ماذا أخذت منه إلا الأمر والنهي؟!
هززتُ رأسي مؤيدة لها، وأنا أكبر فيها هذا الاعتداد بالنفس.
دارت الأيام دوراتها الروتينية، حتى جاء ذلك الصباح العاصف. خطأ فادح في "الحسابات الختامية" - تلك الأرقام المقدسة التي لا تقبل الجدل - فجر بركانًا في مكتب المدير المالي.
اقتحم المدير القسم، وعيناه تتطايران شررًا، ووجهه محتقن بالغضب. لم يكتفِ بالتنبيه، بل صبّ جام غضبه على "أميرة" بكلمات قاسية، وصراخ تردد صداه في الممرات كصوت الرعد المخيف، مهينًا كفاءتها وكرامتها أمام مسمع ومرأى من الجميع.
تسمّرتُ في مكاني، وحبست أنفاسي وأنا أقول في نفسي:
"الآن ستتحطم الزهرية فوق رأس المدير! الآن سنرى ثورة الكرامة التي حطمت قيود الزواج لأجل صرخة أقل حدة من هذه!"
لكن، ويا لدهشة الحاضرين! انحنت الهامة التي ظننتها لا تنحني، واغرورقت عيناها بدموع الانكسار والخجل، وبنبرة خافتة ترتجف اعتذاراً، قالت: أستاذ، أنا أعتذر حقاً، لن يتكرر هذا الخطأ أبدًا.
غادر المدير وبقي الصمت الثقيل يلف المكان. لم أستطع كبح جماح تساؤلاتي، اقتربت منها والدهشة تعقد لساني، قلت لها وهي تمسح دموعها النادرة: لماذا قبلتِ هذا منه؟ أين كرامتكِ التي حدثتني عنها؟ أين الأنفة التي جعلتكِ ترفضين صراخ زوجكِ في بيتكِ؟
نظرت إليّ بهدوء غريب، ومسحت طرف عينها قائلة ببرود لم أتوقعه: المدير بطبعه عصبي، يئن تحت ضغوط كبيرة، وما جاء إلا لينبهني ويعلمني مصلحة العمل!
عدتُ إلى مكتبي أتأمل في معنى "الكرامة". كيف تصبح القسوة "درسًا" حين تأتي من مصدر الرزق، وتصبح "إهانة" حين تأتي من شريك الحياة؟
يبدو أن السند الذي ظنت أنه يحمي كرامتها، كان هو نفسه القيد الذي تذل له الرقاب بلا ثمن.
في لحظة صفاء مهني، وبدافع من زمالة قديمة خلت من التكلف، سألتها عن سر ذلك الهدوء الذي يغلف حياتها بعد الطلاق. تنهدت بعمق، وقالت بلغة حازمة لا تقبل التأويل: إنه عصبي يملأ البيت صراخًا، يرى في حريتي تهديدًا له. أعود من عملي مثقلة بالتعب، فلا أجد منه إلا التضييق. لماذا أصبر؟ لا حاجة لي به؛ فأنا امرأة لدي وظيفتي، وراتبي هو سندي الحقيقي، وكرامتي فوق كل اعتبار؛ لذا اخترتُ الرحيل، ماذا أخذت منه إلا الأمر والنهي؟!
هززتُ رأسي مؤيدة لها، وأنا أكبر فيها هذا الاعتداد بالنفس.
دارت الأيام دوراتها الروتينية، حتى جاء ذلك الصباح العاصف. خطأ فادح في "الحسابات الختامية" - تلك الأرقام المقدسة التي لا تقبل الجدل - فجر بركانًا في مكتب المدير المالي.
اقتحم المدير القسم، وعيناه تتطايران شررًا، ووجهه محتقن بالغضب. لم يكتفِ بالتنبيه، بل صبّ جام غضبه على "أميرة" بكلمات قاسية، وصراخ تردد صداه في الممرات كصوت الرعد المخيف، مهينًا كفاءتها وكرامتها أمام مسمع ومرأى من الجميع.
تسمّرتُ في مكاني، وحبست أنفاسي وأنا أقول في نفسي:
"الآن ستتحطم الزهرية فوق رأس المدير! الآن سنرى ثورة الكرامة التي حطمت قيود الزواج لأجل صرخة أقل حدة من هذه!"
لكن، ويا لدهشة الحاضرين! انحنت الهامة التي ظننتها لا تنحني، واغرورقت عيناها بدموع الانكسار والخجل، وبنبرة خافتة ترتجف اعتذاراً، قالت: أستاذ، أنا أعتذر حقاً، لن يتكرر هذا الخطأ أبدًا.
غادر المدير وبقي الصمت الثقيل يلف المكان. لم أستطع كبح جماح تساؤلاتي، اقتربت منها والدهشة تعقد لساني، قلت لها وهي تمسح دموعها النادرة: لماذا قبلتِ هذا منه؟ أين كرامتكِ التي حدثتني عنها؟ أين الأنفة التي جعلتكِ ترفضين صراخ زوجكِ في بيتكِ؟
نظرت إليّ بهدوء غريب، ومسحت طرف عينها قائلة ببرود لم أتوقعه: المدير بطبعه عصبي، يئن تحت ضغوط كبيرة، وما جاء إلا لينبهني ويعلمني مصلحة العمل!
عدتُ إلى مكتبي أتأمل في معنى "الكرامة". كيف تصبح القسوة "درسًا" حين تأتي من مصدر الرزق، وتصبح "إهانة" حين تأتي من شريك الحياة؟
يبدو أن السند الذي ظنت أنه يحمي كرامتها، كان هو نفسه القيد الذي تذل له الرقاب بلا ثمن.