كان العصفورُ الزجاجيُّ
يفردُ جناحيه بصمتٍ
قربَ أوراقي المبعثرة
كأنّه فاصلةٌ شفّافة
بين جملةٍ لم تكتمل
وحياةٍ لم تُروَ بعد.
لم يكن يغرّد،
بل كان يلمع.
كلّما تنفّستُ
اهتزّ الضوءُ في صدره
كقنديلٍ صغير
يتعلّقُ بخيطِ الغياب.
أوراقي كانت خرائطَ منفى،
سُطورًا تاهت عن شواطئها،
حبرًا يبحث عن جسدٍ يسكنه،
وأنتِ…
كنتِ العطرَ الذي يتسلّل
من بين الكلمات
ويُربك المعنى.
حين أطلتُ النظرَ
في الأفق المعتم البعيد،
ذلك الأفق الذي يشبه
قريةً انطفأت فجأة
وتركت مصابيحها معلّقةً
في ذاكرة المساء،
ارتبك العصفور.
رأى في عينيّ
صحراءً تتمدّد،
وقمرًا مكسورًا
ينزفُ صمتًا أبيض.
فطار.
لم يكن طيرانُه هروبًا،
بل كان انكسارَ ضوءٍ
يتشظّى في الهواء.
خرج من النافذة
كما تخرجُ فكرةٌ من رأسِ شاعر
لم يعد يحتملها.
ظللتُ أحدّق
في النافذة المفتوحة،
كأنني أفتّش عن جناحيّ
الذين نسيتهما
في زمنٍ آخر.
عاد بعد حين—
أو لعلّ الزمن هو الذي عاد—
يحمل في منقاره الزجاجي
نجمتين.
نجمتين صغيرتين
كدمعتين
ضلّتا طريق السماء،
وجاءتا لتستريحا
في حضنِ طاولتي.
وعلى جناحيه
كانت قطرةٌ من عطركِ،
تلمعُ
كسرٍّ لا يُقال.
اقترب،
فسمعتُ رائحة المسافات،
رأيتُ أصابعكِ
تلوّحُ من خلف الغيم،
وشعرتُ بأن الزجاج
ليس هشًّا كما نظن،
بل هو ذاكرةُ الرمل
حين يحلم أن يصيرَ شفافًا.
يا سيدتي،
من أين جاءكِ هذا الضوء
الذي يجعلُ العصافير
تحملُ السماءَ في مناقيرها؟
ومن أين تعلّم عطركِ
أن يسكنَ أجنحةَ الأشياء
ثم يتركني
أطاردُ أثرهُ
كطفلٍ يركضُ خلف فراشةٍ
من حلم؟
العصفور الآن
يجلسُ فوق قصيدتي،
يهزُّ النجمتين
فتتساقطُ شراراتٌ
على الحبر،
وأنا…
أكتبُ كي لا ينكسر،
كي لا يسقطَ
ويتبعثرُ ككأسٍ
في ليلٍ طويل.
ربما لم يكن عصفورًا،
بل كان قلبي
حين تعلّم أخيرًا
أن يصيرَ شفافًا.
وربما لم تكوني امرأةً فقط،
بل نافذةً
يخرجُ منها حزني
ويعودُ محمّلًا
بنجمتين
وقطرةِ عطرٍ
تدلّني عليكِ
كلّما أظلم الأفق.
منذر ابو حلتم