مقتطف ھدى حجاجي أحمد - أنياب الصمت... الفصل الأول من رواية: وبقيت انا رواية

الفصل الأول: أنياب الصمت...

قعدنا على المرج الكبير، كُلٌّ على حافة صمتِه.
الأرض منبسطة كلوحٍ أخضر، لكن قلوبنا مليئة بالحفر. الريح تمرّ خفيفة، تحمل معها غبار السنين، وكأنها تهمس بما لا نجرؤ على قوله.

أنيابُنا بارزة، لا للقتل بل للدفاع. خطواتُنا مطويّة في العدم، كأننا عالقون في منتصف طريق لم نختره.
كانت سترة الوقت تنتفض ببطء، يعلوها الغبار وتثقلها الساعات، والشمس تُقطِّر أشعتها الأخيرة كأنها تحتضر، تلقي على وجوهنا بقايا نورٍ شاحب يفضح أكثر مما يستر.

نظر إليّ الرجل فجأة، عيناه تلمعان بسخرية خبيثة، وقال:
ــ خذ مثلاً هذا الضوء... لا يليق بوجهٍ أصفر كوجهك، إنّه يُبرز عيوبك.

ترددتُ لحظة، ثم انفجرت الكلمات من داخلي كالسكين:
ــ لابد أن الليمونة التي في رأسك قد سالت على عينيك!

ابتسم ابتسامة ملتوية، لا هي ابتسامة رضا ولا انتصار، بل كمن يستمتع بإشعال الجرح فقط. شعرت أنني لم أُخاطب رجلًا من لحم ودم، بل ظلًّا يتغذّى على ضعفي.

سكتنا طويلًا.
كان الصمت أثقل من الكلمات، يهبط على صدورنا مثل صخرة.
حتى المرج الكبير، بكل اتساعه، بدا ضيقًا علينا، كأنّ الأرض تتقلص من ثِقَل ما نحمله في داخلنا.

أغمضتُ عيني لحظة، وسمعت نفسي تهمس:
ــ كم يشبه هذا الغروب حياتنا... نار تلتهم نفسها تحت ورقٍ رقيق.

فتحت عينيّ لأجده قد غرز أصابعه في التراب أمامه، يُقلب حباته كمن يبحث عن شيء ضائع. لمحت بين يديه ورقة صغيرة، صفراء من أثر الشمس والوقت.
رفعها ببطء، نظر إليّ بعينين غامضتين وقال:
ــ هل تعرفين هذه؟

تسمرتُ في مكاني... الورقة كانت بخط يدي. واحدة من أوراقي التي خبأتها بعيدًا، في مكان لا يمكن أن يصل إليه أحد.

رفعها ببطء، نظر إليّ بعينين غامضتين وقال:
ــ هل تعرفين هذه؟

تسمرتُ في مكاني، جفَّ حلقي، وتكسّرت أنفاسي.
الورقة... كانت بخط يدي. واحدة من تلك الأوراق التي ظننتُ أنّ الأرض ابتلعتها، أو أن الريح مزقتها بعيدًا.
كيف وصلت إليه؟
ومن أين عرف أنها لي؟

لم يُجب. اكتفى بابتسامة غامضة، ثم ترك الورقة تنزلق مع الريح.
رأيتها تطير، تدور في الهواء، كأنها تريد أن تفضحني أمام السماء كلّها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...