ضحى أحمد الباسوسي - لمسة صغيرة...

في ذلك المساء الذي لم يكن مساءً حقاً، بل بقايا زمنٍ أضاع اسمه في الطريق، كنت أجلس عند حافة العالم، حيث لا شيء واضح، ولا شيء مكتمل، حيث تختلط الأزمنة كما تختلط الذكريات في رأس رجلٍ لم يعد يعرف إن كان يتذكر أم يحلم.

كانت المدينة صامتة بطريقةٍ مريبة، كأنها تعرف شيئاً ولا تريد أن تخبر أحداً. المصابيح المعلقة على أطراف الطريق كانت ترتجف، لا من الريح، بل من خوفٍ قديم يسكنها، وأنا كنت أشبهها، أرتجف دون سببٍ واضح، أو ربما لأن الأسباب كانت كثيرة إلى درجةٍ لم يعد بالإمكان تسميتها.

كنت أشعر أنني أسير داخل نفسي، كغريبٍ دخل بيتاً مهجوراً، يتلمس الجدران بحذر، يخشى أن يسقط عليه شيء من الماضي، أو أن يجد نفسه واقفاً وجهاً لوجه أمام نسخةٍ منه لم ينجُ بعد. كان كل شيءٍ في داخلي مكسوراً بطريقةٍ لا تُصدر صوتاً، كزجاجٍ تحطم في قاع البحر، لا يسمعه أحد، لكنه يظل حادًا بما يكفي ليجرح كل ما يقترب منه.

ثم كانت هي…

لم تأتِ كما تأتي الأشياء عادةً، لم يكن لها صوت دخول، لم تطرق باباً، ولم تطلب إذناً، فقط وجدتُها هناك، كما لو أنها كانت دائماً هناك، كما لو أن العالم كله كان مجرد طريقٍ طويل يقود إليها دون أن يخبرني.

كانت هي السبب، دائماً السبب، هي ولمستها الصغيره…

تلك اللمسه، التي تنقذني دوماً من أشياء لا علاقة لها بها، أشياء لم ترها، ولم تعشها بعد، ولا تعرف حتى، أن تلك الفوضى موجودة بالفعل. ومع ذلك، كانت تنقذني منها، كما لو أن وجودها وحده يملك سلطةً خفية على الفوضى التي تسكنني.

لم تكن تفعل شيئاً واضحاً، لم تكن تحارب الوحوش بأسمي، ولم تكن تمحو الماضي، لكنها كانت تجعل كل شيءٍ أقل قسوة، أقل حدة، أقل قدرة على قتلي.

بوجودها، كان القلب يهدأ، كما يهدأ طفلٌ بكى طويلاً حين يُحمل أخيراً بين ذراعي أمه. كانت روحي تستكين، كما تستكين أرضٌ عطشى حين تمسها أول قطرة مطر بعد صيفٍ طويل من الاحتراق. لم أفهم كيف يحدث هذا، كيف يمكن لشيءٍ بهذه البساطة أن يُعيد ترتيب كونٍ كامل كان على وشك الانهيار.

لا أعرف كيف لصغيرةٍ مثلها أن تفعل هذا؛ كيف ليدها الصغيرة أن تُهدئ تلك العواصف بداخلي؟

كانت تلك العواصف قد عاشت في داخلي طويلاً، بنت بيوتاً من الرعد، وزرعت أشجاراً من القلق، حتى ظننت أنها جزءٌ مني، أنني خُلقت بها، وأنني سأموت معها. كانت تعصف دون رحمة، تقتلع الطمأنينة من جذورها، وتترك خلفها خراباً لا يُرى، لكنه يُشعر.

لكن يدها… يدها لم تكن مجرد يد، كانت وعداً، كانت وطناً صغيراً يمكن أن أختبئ فيه دون خوف.

كانت حين تلمسني، لا تطفئ العاصفة، بل تُقنعها أن تهدأ، كما يُقنع الأب ابنه الغاضب أن العالم لا يستحق كل هذا البكاء. كانت تضع يدها فوقي، وكأنها تعيد تثبيت أجزائي التي كادت أن تتناثر، وكأنها تعرف الأماكن التي انكسرت دون أن أخبرها، وكأنها تحفظ خريطتي أكثر مني.

بلمسةٍ واحدة، كانت تعيد كل شيءٍ إلى موقعه، إلى حيث يجب أن يكون، إلى النسخة التي كنت عليها قبل أن يمر كل هذا الخراب بي.

كنت أشعر أن قلبي، الذي كان يركض مذعوراً في داخلي، يتوقف أخيراً ليلتقط أنفاسه. أن روحي، التي كانت تائهة كطفلٍ أضاع الطريق إلى البيت، تجد باباً مفتوحاً ونوراً ينتظرها.

لم تكن تعرف أنها تفعل هذا، لم تكن تعرف أنها تنقذ حياةً كاملة دون أن تحاول، كانت تظن أنها فقط… تلمس يدي، لكنها لم تكن تعلم أنها كانت تمسك بي من السقوط، لم تكن تعلم أنها كانت الجدار الأخير الذي يمنعني من الانهيار.

وفي كل مرة كانت تبتسم، كنت أشعر أن العالم يعتذر لي قليلاً، أن كل القسوة التي مررت بها لم تكن النهاية، بل كانت مجرد طريقٍ طويل يقود إلى تلك اللحظة، إلى هذه اليد، إلى هذا السلام الصغير الذي يحمل اسمها.

كانت صغيرة، نعم، لكنها كانت أكبر من كل شيءٍ حاول أن يكسرني، كانت الشيء الوحيد الذي لم يؤذني حين اقترب، الشيء الوحيد الذي لم يخذلني حين وثقت به، والشيء الوحيد الذي، دون أن يدري، أعادني إليّ…

بقلم: ضحى أحمد الباسوسي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...