إبراهيم محمود - قصيدة الزبل "عندما تتبرأ المزبلة من التاريخ"

حنانيك يا زبل
الحميم كمجهول مشتهى في سره
الواهب دون تردد
الصريح دون خشية
الضليع في المصاهرات الكاتمة الاسم
الواسع الهيبة في النسَب
العميق بروحه جامعة أرواح تترى
القصيدة التي تنغلق على سرها الساري
حنانيك يا زبل حنانيك
وأنا أستميحك العذر
لأنّي لم أصرّح باسمك الفعلي
وأنت حضور هنا وهناك
لا الهواء يغفل عنك
لا النار يمكنها تجاهلك
لا الماء مفارق كيمياء كينونتك المترامية الأطراف
والتراب عاجز طبعاً عن تعريفك كما يجب
ملء المكان والزمان أنت
وحدك من يستحق التوصيف بشاغل الحواس الخمس
حنانيك وتاريخ غير المسجل بين يدي
يا زبل
يا هائل المكرمات
يا المنطوي على أعظم سر في تاريخ خارج التاريخ
لكم يهينونك
وهم يسعون إليك
لكم ينفرون منك
وهم يطلبون سخاءك
لكم يستقذرونك
وهم لا ينفكّون يصادقون بالعشرة على مآثرك الحياتية
أي جهل مطبق لدى هؤلاء الذين يحطون من قدْرك
وأنت تحفظ
أنت تديم لهم القدْر الذي يصلهم بالحياة
لكم أظهروا ويظهرون غباءهم
وهم يتنكرون لحقيقتك
وهم يرددون هنا وهناك " مزبلة التاريخ "
منذ متى كنت في هذه الدونية المقززة الموجهة؟
لماذا جعلوا للتاريخ مزبلة
أو ربطوا التاريخ بالمزبلة
في كبيرة كبائر لم يحاسَبوا عليها إلى الآن؟
تكون يا زبل تحت الأقدام
منسوباً إلى كل عار ونقيصة وفضيحة وخسران مبين
التوصيف الأكثر اعتماداً في التشهير الكوكبي: البشري الطابع
أي جريمة نكراء تُرتَكب باسمك على مدار الساعة يا زبل؟
أيها المغدور، المظلوم، المطارَد في حقيقته، المحمول بالدناءات الباعثة على الإقياء ؟
تباً
تباً
تباً لهم
كم أنت ثري، ثراء لا ينفد
ما يجمع في اسمه بين أرواح كائنات لا تخفى
تخرج من بطون نابضة بالحياة
في هيئات:
كروية
إهليلجية
مخروطية
مفلطحة
بأحجام مختلفة
لكنها ساخنة
تنزل من داخل عالق
إلى خفض كتيم
بخار حار وله علامته الدار
ينتشر في الجوار
تهتدي إليه
أجسام من مقامات
تستحم التربة في متنه
تستقبله في الداخل كائنات أكثر صغرى
جذور تنتظر التنفس بتأثير منك
أنت من يمنحها قورة الحضور:
استقامةً
أو تمدداً
أو تشكيلات في القيافة
تتخلل بمداد قواك الجامعة
في أنساغ النباتات
تنتظرها أفواه
دابات على أ{بع
زاحفة
وثابة
طائرة
برمائية
وأفواه تنتظر نمو أفواه أخرى
مغذيات نيئة أو مطبوغة
وأنت تندفع بقواك الحياتية الكامنة هنا وهناك
تسخو بكل ما فيك ولديك دون حساب
لا شيء فيك
حيث تمارس خمائر حضورها في بنيانك
ذي السيولة
الصلابة
التباين
دفعاً لحياة لا يُنظَر في روعتها
بكتيريات تتوالد
تتفاعل
تتناغم في صمت
في سيمفونية عصاراتك
تلك التي تهبُ الأرض
الطبيعة عليها
معان لا ينظَر في بهائها المجهول
يا زبل
منذ متى كنت مجهول الهوى
مجهول الأثر
لا شيء فيك يمكن إهماله
كل ما فيك
وهو في أوج تفسخه
" كما يُسمّي ذلك من لا يعرفون حقيقة التسمية "
وهو في نشر روائحه الصادمة للأنوف
لا يخفي ملمسه
روائحه
قدرته على إدامة الحياة خارج المحتسَب
في أصل كل شجرة
لك ذاكرة
في نبض كل كائن حي
أيا كان جنسه
نوعه
ثمة ما يشير إليك
أي سماد يمكنه مجاراتك
وأنت صهارة حيوات
وأنت الشاهد على كل هذا الجمع الغريب
على وحدة كوكبية لا يُحتفى بها
تعساً
بئساً لهم يا زبل
إذ يرددون " مزبلة التاريخ "
وأنت لم تكن بمثل هذه الضعة
وأنت صنافة خمائر لا كائن مستثنى من مناقبها
كيف هو الجمع بين المنحط السافل
وما يصل بك في ديمومة سخائك الحيوي؟
ما الذي تبينوه فيك حقاً
ليجردوك مما أنت فيه وعليه ثراء حياة
حياة لها دورتها
لبشر
ما أردأهم
وأسوأهم
في حصرك بمثل هذا النفور
تاريخ طويل شاهد على النقيض
يبصم بالعشر بعموم حضاراته
على أنك خلاف تسميتك
ثمة الكثير مما يُنتظَر باسمك
حيث تكون أنت
ملء الحواس
مما يصحح مسار التاريخ كلياً
مما يدفع بأقدام الملوثين بجناياتهم
بألسنتهم المستنقعية
بأيديهم ذات الأوبئة التي تسمّم روحك الحيوية الخالصة
وحين يُنظَر إليك
خارج اعتبارت سد الأنوف
غمض العيون
ادعاء التلوث المقيت بالمطلق
حينها سيخرج بشر من نوع جديد
وسوف يسجّل اسمك بالحرف الكبير
تميمة حياة تبث الطرب في النفوس
إيذاناً بولادة حياة غير مسبوقة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...