منذر ابو حلتم - شيء اسمه الشمس



لم يكن أحد في المدينة يتذكر متى بدأت الحكاية.
فمنذ وُلد الناس هناك، وُلدوا بلا عيون. لم يكن الأمر يُعدُّ عيبًا، بل كان فضيلة؛ فالظلام، كما كانوا يقولون، أكثر عدلًا من النور، لأنه لا يميّز بين غني وفقير.
في صباحٍ لا يختلف عن غيره من الصباحات — وإن كانوا لا يعرفون معنى الصباح — صدر مرسوم سلطاني من قصر الحاكم بأمر الله ضرير بن الأعمش.
نُودي في الأسواق، وعلى أبواب المعابد، وفي الأزقة الضيقة:
“يُعدم كلُّ من يدّعي بوجود شيء يُسمّى الشمس.”
ارتجّت المدينة همسًا.
ما هي الشمس؟
لم يكن أحد يعرف، لكن الجميع خاف.
لم تمضِ ساعات حتى أصدر مفتي المدينة فتواه:
“كل من يزعم بوجود الشمس زنديق، حلال الدم. إذ لم يرها أحد من السلف الصالح، ولم ترد في كتب الأقدمين، ولم تُلمَس باليد، ولم تُشمّ بالرائحة، ولم تُسمَع لها خُطى.”
تنفّس الناس الصعداء.
حين تُحرَّم الفكرة، يرتاح العقل.
لكن في طرف المدينة، في بيتٍ صغيرٍ متصدّع الجدران، كان يعيش شاب يُدعى سليم.
لم يكن يملك عيونًا كسائر الناس، لكنه كان يشعر بحرارةٍ على وجهه كلما خرج إلى السطح وقت الظهيرة.
حرارة لا تشبه نار المواقد، ولا دفء الأجساد.
كان يقف هناك طويلًا، رافعًا رأسه، كأنه يستقبل شيئًا لا يراه.
وفي إحدى المرات، همس لجارته العجوز:
— هل تشعرين بها؟
— بماذا؟
— بهذا الدفء الذي ينزل من أعلى…
ارتجفت العجوز.
وضعت يدها على فمه.
وقالت بصوتٍ مرتعش:
— لا تُسمِّها… الجدران تسمع.
لم يكن سليم خطيبًا، ولا ثائرًا.
كان فقط يسأل.
لكن السؤال في مدينة العميان أخطر من السيف.
وفي يومٍ ما، تجرأ وقال في السوق:
“لو لم تكن هناك شمس، فمن أين يأتي هذا الدفء؟”
ساد الصمت.
ثم ارتفعت أصوات غاضبة:
— زنديق!
— يريد إضلال الناس!
— الشمس خرافة!
اقتيد إلى الساحة الكبرى.
وقف أمام الحاكم، الذي كان يرتدي تاجًا ثقيلًا لا يرى به شيئًا، لكنه يشعر بوزنه جيدًا.
سأله الحاكم:
— هل رأيت الشمس؟
أجاب سليم بهدوء:
— لا أراها… لكنني أشعر بها.
ضحك المفتي:
— الشعور لا يُعتدُّ به في العقيدة.
قال سليم:
— إذن، هل رأيتم الظلام؟
ساد صمت ثقيل.
في تلك الليلة، أُعدم سليم.
وقبل أن يسقط جسده، لفحت وجوه الواقفين نسمة دافئة لم يعتادوها.
تراجع بعضهم خطوة.
وتساءل طفل صغير بين الجموع:
— لماذا أشعر بشيء فوق رأسي؟
صاح أبوه مذعورًا:
— اسكت!
وفي اليوم التالي، أُزيلت من المعجم كلمة “شمس”.
وقيل للناس:
“الدفء ظاهرة عابرة لا تفسير لها.”
لكن، ومنذ ذلك اليوم، صار بعضهم يقف سرًّا فوق أسطح بيوتهم، رافعين وجوههم نحو الأعلى…
لا يرون شيئًا.
لكنهم يشعرون.
وفي مدينة العميان، بقيت الشمس
ديكورًا هامشيًا…
مشكوكًا بوجوده…
لكنها، رغم ذلك، تشرق كل يوم.

منذر ابو حلتم

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...