إبراهيم محمود - والقيامة التي نعيشها...

... والقيامة التي لُقّمنا بها
ونحن أجنة في أرحام أمهاتنا
والقيامة التي انعجّنا بسردياتها الغيبية الكبرى
ونحن في مرحلة الرضاعة
ممتزجة مع حليب أمهاتنا
والقيامة التي اُتخِمنا بها
ونحن على مقاعد الدراسة
والقيامة التي شغلتنا عن كل شيء
ونحن في أوج شبابنا
والقيامة التي تبوصل أفكارنا ومشاعرنا
في البقية المتبقية من عمرنا
ولدنا وهي في ثباتها المحتوم
كبرنا وهي في ثباتها المحتوم
عشنا طويلاً وهي في ثباتها المحتوم
ولا نزال نسمع عنها أنها ستأتي تالياً
وهي داخلة في كل بنياننا الحيوي

القيامة قائمة مذ كنا
ياه!
يشدون القيامة إلى حالة " البَعْد "
أيّ بعد هذا الذي ينفي كل " قبْل "؟
القيامة منغرسة داخلنا
في طعامنا وشرابنا
في أنفاسنا وهواجسنا
في صحونا ونومنا
في مرضنا المقدام
وصحتنا المنتكسة إجمالاً
وهي تتقاسمنا
بجنتها المحدودة
وجهنمها المترامي الأطراف
ثمة مخدوعون- جرّاء بساطتهم- بأنها ستأتي لاحقاً
ستنتقم لهم ممن آذوهم وأذاقوهم المر
أنها ستكافئهم مضاعفاً
لأنهم بتيسير معتبَر ممن وجَّهوهم
أودعوا الصبرَ كل قواهم
رافعين رؤوسهم إلى السماء الخرساء
مسلّمين أعناقهم لمن يديرونها كما يشتهون
إنهم تكنوقراط الغيبيات الكبرى
برعون في حبْك المسافات اللامرئية
في تدشين حياة لم تكن
ولكن تكون
كما يرسمون إحداثياتها الكبرى
وأولئك يداسون بالأقدام
يهانون في كرامتهم
وهم صابرون وفرحون بالتعويض المجزي
وباسم الواحد الأحد ينتشي سدنة التكنوقراط ساخرين
لنزد أوهامهم بهرجة!
يقولونها فيما بينهم
السماء ملجومة اللسان
والأرض معصوبة العينين
والواحد الأحد لا صلة له بما يجري باسمه
ويوقَّع باسمه
ويختَتم باسمه
ثمة من يسمون الحجر حجراً
ويكون حجراً
من يسمّون الأذى أذى
ويكون أذى
يسمّون الطاغية طاغية
ويكون طاغية
ويعدّون العدة لمنعطف مرسوم
ويكون لهم ما أرادوا
مؤمنين بأنهم يعيشون جنتهم
جهنهم
على الأرض
ما أن تلفَظ كلمة " الزبانية "
حتى يلوّحوا بصورة قتلة سفلة
لجماعات وشعوب
ولأفراد على طريقتهم
إنهم النبت الأشد سمّية للعناصر الأربعة
لا يد لخالقهم فيما يرسمون
فيما يسمّون
فيما يستهدفون
ثمة من يطلقون العنان لأهوائهم
من يدحرجون الكرة الأرضية بين أشد غرائزهم همجية وتدميراً
في مجتمعاتهم داخلاً وخارجاً
تتنفس مسامات أجسامهم كراهيات وأصناف مجون
ينصبون من يسبّحون بأسمائهم
حاجبين السماء عن أولئك البسطاء السذج
سادين الآذان عن سماع أصوات غير مرغوبة
متنافسين بصنوف جهنم
مستمتعين برؤية من يعتبرونهم ضالين
وباسم الواحد الأحد
زبانية لزبانية لزبانية
وبالمقابل يغمرون نفوسهم بما تشتهي إلهيات ومتعاً لا تحصى
أطايب تأتيهم من كل حدب وصوب
في مظنة معممة على أنهم خالدون
وهم على بيّنة أن ليس هناك ما يتجاوز حدود
ما يرددونه
ويمارسونه
ويقرّون به
ويحرصون على بقائه
حيث أياهم سواء بأسمائها
حيث شهورهم سواء
بتسلسلها
حيث تقلبات الفصول سواء
في حساب متعهم وملذاتهم
حيث الشعائر والطقوس كلها
مسخّرة في خدمة ما لا يدخرون جهداً في تحقيقه
مدركين تماماً
أن القيامة التي يشار إليها
في غيب آت
أجلّ هبة سماوية منحت لهم
بالمقاييس التي راهنوا عليها
وحجِبت السماء بعدها
ليكونوا أمناء على هذه الهبة
كما تشهد أرجلهم
أيديهم
أفواههم
عيونهم
نفوسهم العصية على الشبع
هلوساتهم التي تأبد الزمن
على تخومها
وهم على تخوم التاريخ
وما تبّقّى ليس العدم


تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...