أحمد عبدالله إسماعيل - مذنب لكونك أبًا...

حين طرقت الشرطة بابه، ظنهم جاؤوا ليمنحوه أخيرًا الحق في الرؤية الذي طال انتظاره لثماني سنوات؛ لكنهم قذفوه بتهمة الإهمال؛ ليُسجن لأول مرة باسم ابنه الذي لم يرَ وجهه لسنوات.

لم يطرق الباب. ركلوه.

ارتد خشب الباب القديم إلى الداخل وهو لا يزال على سريره، يقلب في هاتفه صورًا لا يملكها. اقتحم ثلاثة رجال مكانه دون استئذان، زيهم داكن، ووجوههم لا تعرف التردد.

- أحمد السواح؟

جلس في فراشه، قلبه يخفق كأنه يريد الخروج من صدره. أومأ برأسه بالإيجاب.

- تنفيذ الأحكام.

قالها الرجل وكأنه يطلب كوب ماء، لا عداوة، ولا تفسير؛ فقط روتين.

سأل بصوت أجش لم يستعمله منذ الصباح:

أحكام؟!
هتعرف في القسم.

في الطريق، أخذ المطر يضرب زجاج السيارة. مروا بمدرسة ابتدائي، اعتاد يحيى الذهاب إليها في طفولته قبل ثماني سنوات. قبل أن يصبح الابن فكرة مؤلمة، والاسم مجرد ذكرى.

تذكر آخر مرة وقف أمام تلك المدرسة. في عيد الأم، اشترى علبة شوكولاتة كبيرة ليقدمها لمطلقته كهدية؛ لعله يرى ابنه ولو لخمس دقائق. خرجت هي من باب المدرسة، يحيى بيدها، فلاحت له. صرخت في الحراس. أمسكوه من ذراعه وأبعدوه ككلب ضال قبل أن يخطف الولد.

منذ ذلك اليوم، لم يعد يحاول؛ بسبب إجادة أمه ومحاميها التلاعب بالقانون.

في ردهات المركز، يقتل ضوء النيون أي ظل. وقف أمام الضابط، لا يزال يرتجف من البرد أو من الخوف، لم يعد يعرف.

نظر الضابط في الشاشة، ثم فيه، ثم في الشاشة مرة أخرى.

أحمد السواح، والد يحيى أحمد؟
نعم.
صادر ضدك حكم غيابي. إهمال في حق قاصر، ابنك يحيى. تحرر السنة الماضية ضده محضر في قضية سرقة.

سكت. طرقت الكلمات رأسه كالمسامير، ثقيلة، حادة.

- سرقة؟ يحيى؟... أنا... أنا لا أتواصل معه من ثمان سنوات؛ لأن أمه...

قاطعه الضابط دون أن يرفع عينيه عن الشاشة:

- أنت وليّ الأمر. القانون يقول إنك المسئول عنه.

ضحك. ضحكة واحدة قصيرة وجافة.

- أنا مسئول عن طفل ممنوع أشوفه حتى في الحلم؟

رفع الضابط عينيه الآن. نظر إليه نظرة من لا وقت عنده للفلسفة:

- ليس شأني، اذهب مع المجند.

الزنزانة صغيرة، لكنها تكفي ليختلي الواحد بشريط حياته الخربة.

جلس على البلاط البارد. قضبان الباب الحديدية تقبض قلبك، منظرها يذكرك بوجودها كلما حاولت النسيان. رفع رأسه إلى السقف، تشكلت فيه بقعة رطوبة على شكل دائرة. حدق فيها ثم همس: "يحيى".

حاول أن يتخيل صوته. هل أصبح يافعًا خشنًا؟ هل صار طوله مثله؟ كلما حاول استحضار ملامحه، تتلاشى الصورة هربًا، كأنها تذوب. آخر صورة له كانت في شهادة ميلاد. الطفل ذو السبعة أيام. الآن هو مراهق. يسرق، ويتحرر ضده محضر.

حاول أن يشعر بالغضب. تجاهها، تجاه القانون، تجاه الظلم. لكنه لم يجد إلا فضولاً حزينًا.

"جمعتنا الأوراق أخيرًا."

فكر في يديه. هاتان اليدان لم تمسكا يحيى لسنوات. واليوم، وضعوا عليهما حديدًا بسببه.

قبل سنوات، دفع للمحامي آلاف الجنيهات ليحصل على "رؤية". ساعة واحدة في الشهر. لم يأخذها. واليوم، أخذوه هم بلا محامٍ ولا استئناف. أخذوه كأنه مجرم.

سأل نفسه: "هل يعرف يحيى أن حكمًا صدر ضدي؟ هل يعرف أن أباه مسجون بسببه؟"

وتمنى ألا يعرف. تمنى أن يظن يحيى أن أباه بطل، أو شخص عادي، أو أي شيء سوى هذا: رجل مسجون لأنه لم يستطع أن يكون أبًا.

في الصباح، جاء الشرطي ليأخذه لجلسة التحقيق.

في الممر، مر بغرفة فيها شباب في مثل عمر يحيى. بعضهم وقف خلف القضبان. نظر إليهم واحدًا واحدًا. لعله يجد يحيى بينهم؟ لعله هنا؟

لم يعرفه؛ فهو لم يره منذ كان رضيعًا.

سار خلف الشرطي، والقيد الحديديّ يصدر صوتًا مع كل خطوة.

صوت كأنه يقول: "أنت هنا، ومسئول؛ لأنك أب حتى لو لم تكن تعرف شكل ابنك، وحتى لو كان ابنك لا يعرف منك إلا اسمك المدون في شهادة ميلاده".

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...