أحمد عبدالله إسماعيل - طـيـف...

عاش "أدهم" أربع سنوات يقتات على فتات الذاكرة. كان الفقد هجيرًا لا يرحم، اختطف رفيقة دربه في غمرة زحام العودة من العمل، تاركةً خلفها "ياسين"؛ خمس سنوات من البراءة المذعورة. صار الصغير هو الشاطئ والمرسى لأدهم، يحمله فوق كاهله كتميمة مقدسة، يرى في ملامحه طيف الغائبة التي لم تغادر روحه قط.
حين دخلت "سحر" حياته، ظن أن الصقيع قد انحسر. سكنت في زوايا بيته بعطش من حُرمت الأمومة لسنوات. في البدء، اعتادت أن تمسح على رأس ياسين بحنوٍ يذيب وحشته، والصغير يغفو في دفء صوتها كأنما وجد في تيه الفقد بوصلة.
لكنّ رياح الأقدار تقلبت حين بشرها الطبيب بحمل طال انتظاره. في تلك اللحظة، سقط القناع الرقيق عن وجه "سحر". لم يكن تحولاً مفاجئًا بقدر ما كان انبعاثًا لغريزة استيقظت لتطرد كل ما سواها. تبدلت نبرة صوتها، صارت حادة كشفرة تجرح هدوء المساء، واضطربت أركان البيت الذي كان آمنًا.
باتت جدران المنزل تضيق بـ "ياسين" الذي غدا منافسًا يزاحم طفلتها القادمة في الهواء والوقت. قالتها بملء فيها، بنبرة جافة نزعت منها كل مودة: ليذهب إلى خالاته؛ لن أستهلك صحتي وطاقتي في تربية أبناء غيري، ابنتي التي لم تأتِ بعد أولى بكل ذرة جهد. لقد قبلت وجوده لأسباب تعلمها، أما الآن فقد اختلف الحال.

وقف أدهم مذهولاً أمام طيف زوجته. حاول استحضار الود القديم، لكنه اصطدم بامرأة وضعته بين خيارين كلاهما أمرّ من العلقم: زوجته وجنينها، أو ابنه الذي لا يملك من الدنيا سوى قلب والده.
وفي ليلة حالكة، رقب أدهم ابنه وهو ينكمش في ركن غرفته، وعيناه الغارقتان بالدموع تعكسان انكسارًا لا يليق بطفولته. همس الصغير بصوت متهدج: يا أبي، سأكون ظلاً لا يُرى، سأحرس أختي الصغيرة، لن أطلب شيئًا.. فقط لا تدعهم يأخذوني بعيدًا عنك.

في تلك الليلة، لم ينم أدهم. وفي لحظة بين الصحو والمنام، أدرك أن هذا الجنين الذي في رحم سحر ما هو إلا "هبة" جاءت ببركة إحسانها القديم لياسين، وأن كفره بهذه النعمة هو أول خطوات الشتات.

مع خيوط الفجر الأولى، وقف أدهم أمام سحر، ملامحه هادئة كبحر عميق، لكن عينيه تحملان حسم القدر. قال بصوت رخيم وقاطع: فكري يا سحر. لو أن الأقدار دارت، ورحلتِ أنتِ وتركتِ ابنتنا تحت رحمة من يرفض وجودها، هل كنتِ لتقبلي لها الشتات؟ ثمة أرواحٌ صغيرة لا تأتي لتزاحمنا في الرزق، بل لتفتح لنا أبواب السماء التي أُغلقت في وجوهنا ذات يأس.

أشار نحو الباب الذي تركه مواربًا، وأردف بكلمة واحدة اختصرت كل الحرب المستعرة في داخله: ياسين باقٍ.. ومن ضاقت أرضه به، فالباب على مصراعيه.
ساد صمت جنائزي، رأت سحر في عينيه رجلاً لا يساوم على دمه. أدركت في تلك اللحظة أن خسارتها لرجل يحمي كرامة ولده بهذا الثبات ستكون خسارة لا تُعوض.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...