المحامي علي أبو حبلة - نتنياهو وترامب: حين تتحول السياسة الأمريكية إلى أداة في معركة البقاء

بقلم: المحامي علي أبو حبلة


في مقابلة لافتة مع شبكة CNN، قدم الأمير تركي الفيصل قراءة سياسية شديدة الوضوح لما يجري في الشرق الأوسط، واضعًا النقاط على الحروف في مسألة العلاقة المعقدة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.

ففي لحظة إقليمية تتقاطع فيها الحروب والتوازنات الدولية، لم يكن حديث الفيصل مجرد تعليق دبلوماسي، بل تشخيصًا لطبيعة الصراع الذي يتجاوز حدود غزة والضفة الغربية ليطال بنية النظام الإقليمي بأكمله.

الرسالة الأكثر وضوحًا في حديث الفيصل تمثلت في الموقف السعودي من مسألة التطبيع مع إسرائيل. فقد جاء الرد قاطعًا حين سُئل عمّا إذا كانت الحرب الدائرة قد تقرّب الرياض من تل أبيب، ليؤكد أن ما يجري في غزة والضفة الغربية يجعل الحديث عن التطبيع أمرًا خارج السياق السياسي والأخلاقي.

هذا الموقف لا يعكس مجرد موقف سياسي طارئ، بل يعيد التأكيد على ثبات المرجعية التي أرستها مبادرة السلام العربية، والتي ربطت التطبيع الشامل بإنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة.

غير أن الأهمية الحقيقية في تصريحات الفيصل لا تكمن فقط في الموقف من التطبيع، بل في القراءة التي قدمها لطبيعة العلاقة بين نتنياهو وترامب. فوفق هذا الطرح، لم تكن واشنطن دائمًا هي الطرف الذي يحدد اتجاه السياسة، بل إن نتنياهو نجح في فترات معينة في التأثير العميق على القرار الأمريكي، مستفيدًا من علاقته الشخصية الوثيقة مع ترامب ومن التوجهات السياسية داخل المؤسسة الأمريكية آنذاك.

خلال سنوات إدارة ترامب، حققت إسرائيل مكاسب استراتيجية غير مسبوقة؛ من الاعتراف بالقدس عاصمة لها ونقل السفارة الأمريكية إليها، إلى الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل، وصولًا إلى إطلاق اتفاقيات أبراهام التي أعادت رسم خريطة العلاقات الإقليمية.

هذه التحولات دفعت العديد من المراقبين إلى القول إن نتنياهو نجح في دفع السياسة الأمريكية إلى تبني رؤيته للصراع في الشرق الأوسط، بحيث أصبحت واشنطن في بعض الملفات أقرب إلى تبني الرواية الإسرائيلية بالكامل.

لكن فهم هذه العلاقة يقتضي النظر أيضًا إلى البعد الداخلي في السياسة الإسرائيلية. فنتنياهو يواجه منذ سنوات أزمات سياسية وقضائية عميقة، من بينها محاكمات بتهم فساد وأزمات داخلية حادة حول طبيعة النظام القضائي الإسرائيلي. وفي مثل هذه الظروف، يلجأ القادة في كثير من الأحيان إلى ما يسميه علماء السياسة “تصدير الأزمة إلى الخارج”، أي تحويل الأنظار من الانقسام الداخلي إلى التهديدات الخارجية.

من هذا المنظور، تبدو الحرب الإقليمية أو التوترات المتصاعدة مع إيران جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة توحيد المجتمع الإسرائيلي خلف خطاب الأمن والتهديد الوجودي. وفي الوقت ذاته، فإن توسيع دائرة الصراع يساعد نتنياهو على الحفاظ على الدعم الغربي، ولا سيما الأمريكي، عبر تقديم إسرائيل بوصفها خط الدفاع الأول في مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة.

غير أن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطر كبيرة. فالتصعيد المستمر لا يهدد فقط استقرار المنطقة، بل قد يقود إلى إعادة تشكيل النظام الأمني في الشرق الأوسط على نحو غير مسبوق. فالحروب الإقليمية لا تبقى محصورة في حدود الدول، بل تمتد آثارها الاقتصادية والسياسية إلى النظام الدولي بأسره.

في ضوء ذلك، تكتسب تصريحات الأمير تركي الفيصل أهمية خاصة، لأنها تعكس إدراكًا عربيًا متزايدًا بأن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يُبنى على الحروب المفتوحة ولا على تجاهل القضية الفلسطينية. فاستمرار المأساة في غزة والضفة الغربية لا يهدد فقط الاستقرار الإقليمي، بل يقوض أيضًا أي مشروع لبناء منظومة تعاون أو سلام حقيقي في الشرق الأوسط.

إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كان نتنياهو قد نجح في التأثير على السياسة الأمريكية في مرحلة معينة، بل إلى أي مدى يمكن لهذه المعادلة أن تستمر في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي. فالعالم يتجه تدريجيًا نحو تعددية قطبية جديدة، حيث لم تعد الولايات المتحدة اللاعب الوحيد القادر على رسم خرائط النفوذ والتحالفات.

وفي هذا السياق، تبدو المنطقة أمام لحظة تاريخية حاسمة: إما أن تتحول الحروب الجارية إلى مدخل لإعادة إنتاج الصراعات لعقود جديدة، أو أن تدفع الأطراف الدولية والإقليمية نحو تسوية سياسية تعيد الاعتبار للقانون الدولي وحقوق الشعوب.

ويبقى الثابت في كل هذه المعادلات أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يُبنى على القوة وحدها، ولا يمكن أن يتحقق عبر الحروب أو فرض الوقائع بالقوة، بل عبر معالجة الجذور الحقيقية للصراع وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي ستظل حجر الزاوية في أي معادلة استقرار في الشرق الأوسط.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...