إبراهيم محمود - الطفل الذي افتقدتُه إلى الأبد


ندم، لوحة للفنان توران إينال



عندما أصبح طفلاً
يا إلهي
سأغنّي للحياةْ
سأنادي طائري :
مرحي صديقي
هوذا صوتي يناديك
فخذني عالياً
هيّا إلى كل الجهاتٍ
أول الخطو خروف البيت
أدعوه صديقي
حيثما يمضي سأمضي
قافزاً مثله من دون التفات
سيكون الكلب ظلي
ودليلي في صواب الخطو
والذوق وباقي الطيّبات
سأنادي هرة البيت
هلمّي
ثمة الحقل الذي يرقبنا
والعشب في ملمسه الناعم
والزهرات جمع الخاشعات
والفراشات تباعاً
كم أحب الزهد في خفتها
أي هدوء في مداها وصلاة
شجر البيت كتابي
وأنا أنظر إعجاباً إليه
وأنا المأخوذ حباً في علاه والثبات

عندما أصبح طفلاً
قسَماً سوف أحيل الوقت أفقاً لخطاي
مانحاً صمتي اقتداري
جاعلاً صمتي صداي
جسدي يمضي إلى صمته مرئيّ السمات
ويدي من دفق الوقت امتلاء
وفمي من عبق الأرض انتشاء
وفمي في نشوة العمر دواة
ليس لي من صلة بالاسم
أو بالحرف ما دمت طليق الروح
قرطاسي سطوع العمر في اللامتناهي
وأنا أغترف الضوء بلا حد
ومن دون جباة

عندما أصبح طفلاً
سأنادي الذئب في برّية الذئب
أسمّيه إمامي
ثم أدعو الضبع
كي نلهو معاً
سقفنا عالي سماء
وحمانا الكائنات
وحدها أمي
أسمّيها انتشاري
وارتقائي كائناً في لغة دون حروف
كي أراني ملء روحي
كائناً من دون ذات

عندما أصبح طفلاً
إن تمكنت من العمر
ومما تتوخاه النجاة
سأسمّي العشب عشباً
سأسمي الماء ماء
سأسمي الجرح جرحاً
سأسمي الصوت صوتاً
سأسمّي الصبح صبحاً
سأسمي الحلو حلواً
سأسمّي لحظة الأمن ابتهاجاً
سأسمّي الخصم خصماً
وأنا أنتظر الصفح الثنائيّ
وأقصي المغرضات


أيها الطفل الذي أحمله جنبيّ
يا نسل المآسي
كيف أدعوك إليْ
وأنا في شيبتي ملء
ملء دمي
ملء دمي
ملء يدي
كيف أدعوني إليكْ
والذي أرسمه أكثر من صعب عليك
وأنا ألمح أمساً
فأراني فيك بؤساً
مثقَلاً بالترّهات
وغداً باسمك يجلوني
لأصحو ماضياً من دون آت

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...