مقتطف ھدى حجاجي أحمد - الفصل الرابع: الغرفة البيضاء

استيقظتُ في مكانٍ لا يشبه غرفتي.
كل شيء كان أبيض... الجدران، السقف، الأرض، حتى الهواء نفسه كان له طعم باهت، كأنني أتنفس طباشير مطحونة.

لم يكن هناك باب، ولا نافذة. فقط طاولة صغيرة في المنتصف، فوقها كومة من أوراق متناثرة.
اقتربتُ ببطء، وامتدت يدي لترفع الورقة الأولى... كانت بخط يدي.

لكن الغريب أنها لم تكن مكتوبة بالحبر الأسود المعتاد، بل بدمٍ داكن، لم يجف بعد.
لم أجرؤ أن ألمس السطر الأول، لكنه قرأ نفسه بصوتٍ مسموع، كأن الورقة تتكلم:

ــ "أنا لستُ أنا... أنا ظلٌّ يتجوّل في رأسي."

ارتجفت.
ألقيت الورقة، لكنها لم تقع على الأرض... بل التصقت بجداري الأبيض، وصارت جزءًا منه.

ثم نظرت إلى باقي الأوراق، فإذا بها تتحرك ببطء، تتطاير كطيور محبوسة، وتدور حولي في دوامة صامتة.
كل ورقة كانت تنطق بكلمة، جملة، اعتراف. بعضها لم أكتبه قط، وبعضها كنت أخشى أن أفكر فيه أصلًا.

رفعت رأسي، فرأيته.
الرجل.
كان يقف في الزاوية، بملابس بيضاء، يذوب في الخلفية كأنه قطعة من الجدار. عيناه فقط كانتا ملونتين، تصرخان بصفرة الليمون.

ابتسم، وقال:
ــ هذه غرفتُك الحقيقية.
هنا، حيث الصمت يكتبك قبل أن تكتبيه.

أردت أن أجيبه، لكن لساني ثقل. شعرت أنني أنا أيضًا أتحول إلى ورقة... سطح أبيض فارغ، ينتظر من يخطّ عليه ما يشاء.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...