" شذرات في الحرب "
بدلاً عن أن يسمّوا الشيء باسمه، هذَّبوا اللغة بمفهوم " الجدل: الديالكتيك " الذي لا يعدو أن يكون في أصله المركَّب تسمية للحرب، ليكون الانخراط فيها مستمراً.
ما كان للتاريخ أن يوجد لولا الحرب التي تكون الفاعلة الرئيسة في تدوينه، بلغة المنتصر، وحتى المهزوم الذي يصبِح تالياً منتصراً، قاهراً للمستبد به، تكون نظرته نفسها.
الحرب هي قاعدة عموم الأفعال ، والسلم محصور في الأفعال الشاذة والمحدودة.
لم يخطىء هيراقليطس، حين اعتبر الحرب أساس كل شيء، لأنه خبرَ واقعه ومحيطه جيداً.
دينياً، حين نقرأ آية" وقلنا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ( سورة البقرة، الآية 36 ) "، ندرك الخلفية الكبرى للأديان عموماً، وكيف أن آية كهذه، ومن " الأعلى " حياة فسّر من منظور الحرب. الأديان، وسّعت دائرة الحرب، بجعلها أكثر من كونها عيانية، حين ألحقت السماء بالأرض دفعة واحدة، ومن ثم جعلت الأرض تابعة لها، لتثبيتها.
مونتسكيو، حين ألحق الغاية بالوسيلة، جعل السلم تحت إمرة الحرب ومصرَّحاً باسمها.
ثمة ما يغفَل عنه في زواج مختلف، وهو أن السلم زواج شرعي، وما أقل زيجاته. أما الحرب، فلا أكثر منها، والذين يتناسلون منها في عداد اللاشرعيين، وكونهم يبتدعون شرعتهم فقط.
وهل أخطأ غوستاف لوبون، وثم فرويد، في الحديث عن القطيعية في البشر، حيث إن العدوان خميرة نشطة في العجينة الحية لهم من الداخل؟
داروين، في تأكيد البقاء للأقوى، لم يخطىء كعالم حياة، في تأكيد سيادة الحرب والرهان عليها، فالصراع حرب داخل اللغة، وحرب مفتوحة تشهد بها اللغة هنا وهناك.
تشبيه الحرب بالأخطبوط، دقيق بالفعل، لأن هذا بقواه يتحكم على الجهات كافة، هكذا هي الحرب التي تنزِل السماء نفسها على الأرض، وأبعد منها ميتافيزيقياً.
أنا مسالِم، إذن أنا محارَب. ومنذ متى كان المتحدث بلغة السلم بعيداً عن تهديد الحرب ؟
إذا كانت الحرب عرساً، فالذين يشاركون في الرقص هم المنخرطون في ساحتها، بينما العازفون والمغنون، فهم الذين يخططون لها، ويشجّعون عليها، بينما الذين يجمّلونها بالتفخيم والتعظيم، فهم إعلاميوها وسدنة الحرب في الفناء الخلفي لها.
يا لسفه من يقول: الحرب عمياء!بالعكس، إنها لا تكتفي بحاسة البصر، بقدر ما تسخّر في خدمتها بقية الحواس، وحتى القوى النفسية إجمالاً.
في بلادنا، وعلى مدى التاريخ الطويل تقريباً،الفلسفة محارَبة، لأنها تمضي بالمعني إلى الأعماق، إلى المكبوت، وهذا ليس في مصلحة من يشعلونها ويغيّرون فيها، من الداخل!
الحرب رأس الإبرة الذي يثقب النسيج، لتمير الإبرة بالصورة المرسومة، لهذا نعيش سخونة الحرب بما نرتديه.
التباهي بالحرب منطق مألوف وممدوح، أكثر من السلم، لأن التباهي يجلو قوة المعني، وانتشارها، بينما الساعي إلى السلم، فما أخفض صوته، وأضعفه في الإيصال.
الحرب بشعة، حسنٌ! كيف هي هيئة هؤلاء الذين يشعلون نارها؟ أليس لأنهم مشهون ممسوخون، فتكون البشاعة علامتهم الفارقة ؟!
الحرب قذرة، مقولة على تماس مباشر بسابقتها. الفارق هو في التوصيف، والمخاتلة. متى كانت الحرب نظيفة من حيث البنية؟ البشاعة لا أخلاقية، القذارة تكبّر صورة البشاعة واقعاً!
ليس هناك حرب مشروعة.ثمة قاعدة متحركة تعني أن القائل بذلك، يعني من يقابله ومثله يتكلم، وهكذا...!
مقولة سارتر بلسان إحدى شخصياته الرواية: الآخرون هم الجحيم، تعني في الحال، أن الجميع في الجحيم، لأن هناك من " الآخرين " من يقول هذا...!!
كيف يكون وضْع منظر الحرب نفسياً؟ لا بد أنه جرّاء انشغاله بالتفاصيل، يصبح في وضعية المدمن، والمسكون بها، ودون وعي منه، يسهِم في تعميقها من الداخل.
سواء، أكانت الحرب استمراراً للسياسة، بوسائل أخرى، كما قيل بلسان كلاوزفيتز، أو أن السياسة استمرار للحرب ، بوسائل أخرى، بتنبيه من فوكو، ففي الحالتين تتفعَّل سطوتها.
التاريخ في مجمله تاريخ الرجال، فالحرب ذكورية في بنيتها، بينما الجغرافية، فهي أنثوية.
هكذا، أرى أنه إذا كان من تجنيس للحرب والسلم، فالحرب ذكورة طاغية، والسلم أنوثة مستباحة .
الذكورة ذات الصلة بالحرب، مشهود لها بانتشار أسماء ذكور دالة على القوة والهيمنة، بدءاً بالحيوانات " المفترسة " وبعدها، والخشونة مختومة بخاصية حرب.
في الحرب تنكشف أسرار كثيرة، لأن كل شيء يوضع في خدمتها، كما هي حراثة الأرض!
لا أحد يريد الحرب. لا بد من ضبط للعبارة. بسبب خلل داخل فيها.فتكون أكبر كذبة في التاريخ، كيف يفسّر هذا الاندفاع إلى الحرب هنا وهناك إذن ؟!
ما كان لآدم أن يعرَف لولا جسارة حواء في قطف " الثمرة المحرمة " ليجري تأثيمها، ولتُعطى السيادة لآدم، وهي حرب قرّرت من الأعلى، لتكون المرأة ضحيتها إلى الأبد.
قابيل الذي نذمّه، بالمفهوم الديني، هو الوريث الوحيد للعائلة الآدمية، القاتل الأول بشرياً. والذين حملوا بذرته داخلهم، يجددون حضوره في صراعات هي حروب مختلفة بينياً.
الحرب خدعة! يا للجهل بالأمور؟ ومنذ متى قامت الحرب بعيداً عنها؟ أن يكون السلم خدعة، من باب التمويه والوهم، أسلم وأدق من تلك !
الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون.. لا بد أن حرباً تتم في الوسط، وثمة نقص في المقولة، فهؤلاء الأبناء أنفسهم يصبحون آباء.. وهكذا يستمر" التضريس "..!
التقت الحرب بالسلم وهو يبكي. استغربت ، فسألأته عما يبكيه، فرد بصوت متحشرج: وهل رأيتني يوماً وأنا أضحك؟
واضعو القوانين هم عتاة فقهاء الحرب، بما أنهم باسم الأقوياء، يفعّلون لمصالحهم المختلفة إلى الآن!
ولد القانون من الدم ووحل المعارك..والحرب هي محرك المؤسسات والنظام..وهي الوجه الآخر للسلم.. أقوال أفصح بها م. فوكو، في تنظيره للمجتمع. وثمة ثغرة في رؤيته الفكرية، جهة اعتبار الحرب الوجهَ الآخر للسلم، كما لو أن السلم يقابل الحرب، وقد وجِد لأجلها.
ما يشغلنا حين نكون نياماً، ليس الحلم، إنما الكابوس الذي يصلنا بواقع يتهددنا دائماً ، والكابوس لا يعدو أن يكون تمثيلاً للحرب، أو شبحها المستدام.
لا أريد أن أكون وقوداً للحرب! مقولة أحدهم، إذن، سيكون ضحيتها، في المكاشفة!
استوى الزرع، فابتهج السلم معلناً أوان الحصاد.. ابتسمت الحرب في سخرية، وجيّشت قواها، وفعلتها في وابل من البَرَد ، جعل الزرع أثراً بعد عين في دقائق .
ما يبنيه السلم في سنوات، تفنيه الحرب في زمن محدود جداً. لأن السلم حساب، والحرب هندسة جارفة لكل شيء.
تهويل الحرب في مجتمعاتنا يستند إلى دوام الحرب وفظائعها. أليست أدبيات الموت، وحساب الآخر، على تماس مباشر بها، ومن يجنون ثمارها على مدار الساعة .
داعية السلم هو أكبر ضحية ذاتية لما يظهِره في سلوكه، لأن يتحرك على صفيح ساخن: الحرب طبعاً!
أنا أخشى السلم أكثر من الحرب، لأن فيه فخاخاً مموهة، والحرب مكشوفة أكثر!
ربما يكون السلم حالة تهدئة مؤقتة بين حرب وأخرى، أو انقطاعاً وقتياً للحرب نفسها .
ليست الحرب أن تخوض معركة، فهذه تكون عجينة وقد داخلتها خميرة الحرب عملياً، فمعايشة سعيرها قائمة في الداخل، في التخوف المستمر الموصول بها .
أن أُعتبَر ساخطاً وغير سوي جهة الحرب، أفضل من أن أكون مخدوعاً باسم السلم الذي يشكل كميناً باسم الحرب..
الحرب تثير الناس أكثر من السلم، كما هو عمق النهر. السلم ذو صلة بسطحه..كلما زاد هدوء النهر، كان التخوف من المخفي فيه أكبر وأكثر.
" حرب " الأسد غير حرب النمر، غير حرب الضبع، غير حرب التمساح، غير حرب الأناكوندا، لكنها في عمومها الحرب عينها، في تصفية الآخر" المعتبَر فريسة " .
من السهل القول بأن شعباً ما يكون ضحية حروب الأعداء من الخارج ضده، بصيغ شتى. ثمة حروب من الداخل، يفعّلها من يتكلمون بلغته، وباسمه يتم تعريضها للموت وخلافه!
عمري سبعون سنة، أو ما يقارب ذلك، أكثر من ثلاثة أرباع هذا العمر عشتها في ظل الحرب، والربع المتبقي تحت وطأة المتوقع حدوثه باسم الحرب..من يمكنه قول العكس؟
الفتنة جرثومة حرب..كما لو أنها مبرَّأة من فاعل بشري وما يدخل في التركيبة النفسية للبشر. المأساة أكبر، حين يشار إلى أن قائل العبارة فعال في تنشيطها هنا وهناك.
الموت الذي يشار إليه، لحظة وصله بالطبيعة، يصبح أكثر ألفة، لكن التذكير بالحرب ومرادفاتها، يغيّر في العلاقة به. النسبة الكبرى ممن يموتون يبرَّأ منهم هذا الموت.
القوانين التي وضعها وتضعها البشرية، هي لشرعنة العنف الكامن فيها، وزيادته، أكثر من هذه " الوحوش " في البرّية " التي تتبع سنن الطبيعة فيها.
الإبقاء والحفاظ على وجود عدو دائم هنا وهناك، محاولة شرعنة الحرب التي يشنها المعنيون بالسلطة، ضد مخالفيهم داخلاً وخارجاً .
النقد ، هذا الذي ندعو إليه، معزز بالتبريكات، ولكنه في محتواه، حروب مخففة، على السطور، لا تنفصل عما هو حقيقي غالباً عما يجري في الواقع، وثمة من يخشاه لضلوعه في الحرب!
نحن نحب بعضنا بعضاً. نعم، إلى درجة أن هذا الحب ينقلب سريعاً إلى تصفية بينية .
وأنا أكتب، وقد كتبت ما كتبت.. أين أتموقع في حسابات الحرب؟ أنا في أتونها!