احمد عبدالله إسماعيل - عين المسحراتي

غرق الزقاق الضيق في حياة مسائية فاترة، حين سار "أمين" ممسكًا بيد والده، متوجهين نحو صالون الحلاقة العتيق. وفي حين سار الأب بخطوات بطيئة، رتيبة، كأنها تحصي ذكريات الرصيف، تقافزت خطوات الصغير فوق الظلال، حتى توقف فجأة أمام ذلك السور الإسمنتي الذي نبتت على شقوقه طحالب الزمن.
هناك، عند ثقبٍ صغيرٍ في الجدار، وكأنه تليسكوب في جدار الزمن، أصغى "أمين" بعينه إلى الفراغ؛ ليرى ماضيه القريب. انفتح أمامه الملعب الفسيح؛ ذلك المسرح الترابي الذي لم يكن قبل عامين مجرد ساحة للركض، بل وطنًا مصغرًا.

عبر تلك الفتحة، استرجع "أمين" أصداء الطابور الصباحي، حين اعتادت الحناجر أن تصدح بالأناشيد لتشقّ صمت الفجر. رأى غبار المباريات الرياضية يتصاعد في الأفق، وشعر بحرارة الكؤوس التي رفعها مزهوًا بالانتصار. تذكر منصة "عيد الأم" المزينة بالزهور الورقية، حيث ارتعشت يداه وهو يلقي قصيدته الأولى وأمه تراقبه في سعادة غامرة.
لكن الصورة الأكثر سطوعًا، حين تذكر تلك الليلة التي سبقت غرة رمضان. رأى نفسه بقميصه الواسع، يحمل طبلة خشبية، يتقمص دور "المسحراتي" في حفل المدرسة. طاف صوته الصغير آنذاك الأرجاء: "يا نايم وحد الدايم"، وكأن صدى ضربات طبلته لا يزال يرتطم بجدران الملعب الساكن الآن في صمت العطلة.

نزل "أمين" عن الحجرة التي وضعها؛ ليتمكن من الوصول إلى فتحة المرصد، وشعر بأن شيئًا من روحه لا يزال عالقاً هناك، خلف الأسلاك الشائكة. نظر إلى أبيه، الذي أخذ يراقبه بصمت العارف بجراح الحنين. لمعت عينا الصغير ببريقٍ يمزج بين الفقد والأمل، فسأل بصوتٍ خفيض يغلفه الرجاء:
- أبي، هل يمكنني أن آتي لزيارة المدرسة خلال النهار في القريب؟
لم ينطق الأب، بل اكتفى بإيماءةٍ مثقلةٍ بالوعد. في تلك اللحظة، شعر أمين بأن الجدار قد تداعى تحت نظراته، وأن الزقاق الضيق صار يتسع لخطواته كما يتسع الملعب لغبار المباريات القديمة. سار خلف أبيه بخطىً ثابتة، بينما ارتدّ صدى ضربات طبلته الخشبية من أعماق صدره، كأن ليل "المسحراتي" لم ينتهِ بعد، بل بدأ للتوّ يضيء طريقه نحو الصالون العتيق.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...