دانه أحمد عبدالله بوخمسي - تأملات...

كلّما تأملتُ هذا الجسد، أدركتُ أن الخلق ليس صدفة، وأن كل عضوٍ فيه وكل نبضةوكل ترتيبٍ حكمة. سُبْحَانَ اللَّهِ كيف جعل القلبَ أصلَ الاستمرار وجعل الدماغَ موضعَ الإدراك فإذا غاب الإدراك بقي الوجود وإذا انقطع النبض انطفأ كلُّ شيء. يموت الدماغ وتسكنُ مراكزُ الوعي وتصمتُ الأفكار وتذبل الذاكرة ومع ذلك يظلُّ القلبُ نابضًا يضخُّ الدمَ في الشرايين ويُبقي الخلايا حية كأن الحياةَ معلقةٌ بذلك الإيقاع الخفي كأن القلبَ يحمل أمانة البقاء ولا يُسلِّمها إلا بإذن الله. القلبُ لا يعرف الحساب، ولا يَصنع المعادلات ولا يزن الأمور بمنطق لكنه يعرف كيف يُمسك بالحياة كيف يوقظ الجسد كل صباح وكيف يُبقي الدمَ سائرًا في طرقه، وكيف يجعل الخلية تشعر بأن عليها أن تعمل أن تعيش أن تستمر. أمّا الدماغ مركزُ التنظيم وموطنُ الفهم ومختبرُ التحليل به نفكر ونخطط ونتذكر ونتعلم وبه نقرأ إشارات القلب ونحول الشعور إلى معنى والإحساس إلى قرار. ومع ذلك… يبقى الدماغ تابعًا، ليس قائد الحياة بل مترجمها ليس منبع الوجود بل قارئه. فإذا توقّف القلب انتهت القصة، وسكت الدماغ وسكنت الخلايا وخمد الجسد كله كأن الحياة كانت خيطًا واحدًا يمسكه القلب فإذا انقطع سقط كل شيء. وإذا توقف الدماغ بقي القلب نابضًا شاهِدًا على أن الحياة أعمق من الوعي وأسبق من التفكير وأصدق من التحليل. سُبْحَانَ اللَّهِ… ما كان هذا الترتيب عبثًا، ولا كان هذا التقديم مصادفة فالقلب قُدِّم لأن الحياة تبدأ بالإحساس وتُمسَك بالنبض ثم تُفهَم بالعقل. ولهذا لم يقل الله: بعقولٍ يعقلون بها، بل قال: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾، فجعل الفقه مرتبطًا بالقلب وجعل الهداية طريقًا يمرّ عبر الشعور قبل التفكير. ولهذا أيضًا قال: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾، فالطمأنينة ليست فكرة تُقنِع بل سكينةٌ تُسكَب وليست نتيجة تحليل، بل أثر قرب. وفي كل كائنٍ حي تتكرر هذه الحكمة في الطير وفي الوحش وفي الإنسان الحياة تبدأ بنبضة لا بفكرة. سُبْحَانَ اللَّهِ… ما أعظم هذا الدرس الصامت الذي يعلّمه الجسد، الإنسان لا يُصلِحه العقل وحده ولا يُحييه الفهم فقط بل يُرمَّم حين يُصلَح قلبه ويُشفى حين يهدأ نبضه ويعرف نفسه حين يصغي إلى داخله. فالقلب ليس مجرد مضخه بل مركز معنى والدماغ ليس مجرّد آلة، بل خادم حكمة. لكلٍّ موضعه، ولكل دوره ولو اختل الميزان لاختلت الحياة..

دانه أحمد عبدالله بوخمسين

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...