يظل السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرحه كل واحد منا على نفسه: كيف أحب مصر حبًا صادقًا؟ وكيف أخلص لها؟ وكيف أعمل على تطويرها من أجل نفسي، ومن أجل أبنائي، وأحفادي، وأجيال المستقبل؟ وماذا سأترك لهم من بعدي؟
إنها ليست أسئلة عابرة، بل أسئلة كبرى، لأنها تمس معنى الانتماء، وجوهر المسؤولية، وحقيقة الإيمان نفسه. فحب الوطن ليس مجرد عاطفة، والإخلاص له ليس مجرد كلام، والعمل على تطويره ليس ترفًا فكريًا أو رفاهية أخلاقية، بل هو في جوهره باب من أبواب التقوى، بل لعله من أصدق صورها العملية. لأن التقوى ليست فقط صلاة وصومًا وزكاةً وتربيةً للأبناء، على جلالة هذه العبادات وأهميتها، وإنما هي أيضًا أن تؤدي أمانتك في موضعك، وأن تحفظ حق الناس في عملك، وأن ترى مصلحة الوطن جزءًا من رضا الله عنك.
وأظن أن من أزمتنا الفكرية والأخلاقية أن كثيرين صاروا يختزلون رسالتهم في الحياة داخل حدودهم الشخصية والعائلية، فيتصور الواحد منهم أن غايته الكبرى هي أن ينجح لنفسه، ويؤمّن بيته، ويربي أبناءه، ثم يظن أن ذلك وحده يكفيه أمام الله، بل يحقق له تمام الرضا الإلهي. ولا شك أن رعاية الإنسان لنفسه ولأسرته واجب كريم وعظيم، لكنها في النهاية واجبٌ لازم لا اختيارٌ زائد؛ فهي مسؤولية فُرضت عليه بحكم موقعه، لا ميدان تفوّق استثنائي يكتفي به عن سائر الواجبات.
أما القيمة الأعلى، والأثر الأبعد، فيظهران حين يخرج الإنسان من دائرته الضيقة إلى الدائرة الأوسع: إلى العمل العام، إلى نفع الناس، إلى إصلاح المؤسسة التي يعمل فيها، إلى حفظ مصالح المجتمع، إلى العطاء للوطن. وهنا يتجلى المعنى الأعمق للتقوى والوطنية؛ لأن الإنسان لا يعود منشغلًا فقط بمن تلزمه فطريًا أو شرعيًا رعايتهم، بل بمن تمتد إليهم آثار عمله وأمانته وإخلاصه. وكلما اتسعت دائرة تقوى الإنسان، اتسعت مكانته عند الله، لأن الاتساع هنا علامة على سعة الضمير، ونضج الإيمان، وصدق الاستخلاف. فالإنسان الذي لا يعيش لنفسه فقط، ولا لأسرته فقط، بل يحمل همّ وطنه ومؤسسته ومجتمعه، هو أقرب إلى المعنى الكبير للعبادة من إنسان حصر الصلاح في نفسه وبيته وحدهما، هي الخلافة الحقيقية لله في أرضه، خلافة المسئولية وليس خلافة السلطة..
وأظن أن أزمتنا أحيانًا أن كثيرين اختزلوا التدين فيما يمكن أن نسميه إسلام الفرد: عبادته، وصلاحه الشخصي، وتدبير بيته، وتربية أولاده. وهذا كله خير ولا شك. لكن هناك مستوى آخر لا يقل عنه أهمية، وربما كان أشد أثرًا في حياة الناس، وهو إسلام الدولة، أو إن شئت فقل: الإسلام الذي يتجلى في سلوك الفرد داخل المجتمع، وفي أداء الإنسان لعمله وكأنه مسؤول عن وطن، لا مجرد موظف يؤدي الحد الأدنى من واجبه. وهنا يصبح الإتقان عبادة، والانضباط عبادة، والعدل عبادة، والإخلاص في الوظيفة عبادة، وتجويد العمل العام لونًا من ألوان التقوى الحقيقية.
وقد يسأل البعض: هل تكون خدمة الوطن من خلال الأحزاب؟
في تقديري، أري أن هذا الطريق غير فعال، لأن كثيرًا من الأحزاب، في واقعها لا في فكرتها النظرية، تتحول إلى فرق تتنافس على النفوذ والسيادة أكثر مما تتنافس على البناء الحقيقي.
وهل تكون من خلال الجماعات؟
في تقديري، أري أن هذا الطريق غير فعال، لأن أي جماعة، مهما كان اسمها أو شعارها، قد تنشغل بهدف موازٍ لهدف الدولة، أو تجعل ولاءها الخاص أعلى من الولاء العام.
وهل تكون من خلال المبادرات؟
نعم، يمكن للمبادرات أن تساعد، ويمكن أن تفتح مساحات للنفع والتطوير، لكنها في تقديري ليست الطريق الأساسي لنهضة الدول. فالدول لا تبنى بالمبادرات وحدها، وإنما قد تستفيد منها كوسائل مساعدة، لا كبديل عن البناء المؤسسي الحقيقي.
إذن، ما الطريق الأصدق والأقوى؟
في تقديري، العمل. العمل أولًا، والعمل ثانيًا، والعمل ثالثًا. فالعمل هو الطريق الطبيعي والمستقيم والآمن لتحقيق حب الوطن وخدمته والإخلاص له. لأنه يخرج منه إنتاج لا ضجيج، وأثر لا ادعاء. وداخل العمل المؤسسي تكمن القوة الحقيقية لأي تغيير جاد ومستدام.
لكن السؤال المؤلم هو: هل كل واحد منا يؤدي دوره في عمله كما ينبغي؟ خاصة في العمل الحكومي، هل ينظر إلى الوظيفة على أنها أمانة ورسالة ومسؤولية، أم مجرد وسيلة للمعيشة وضمان الاستقرار؟
للأسف، الواقع يقول إن كثيرين لا يؤدون أعمالهم بما يخدم الدولة حقًا. بعضهم لا يضيف شيئًا، وبعضهم قد يهدم أكثر مما يبني. والأسوأ أن المتميزين وسط هذا المشهد كثيرًا ما يدفعون الثمن: إما أن يُنبذوا لأن تميزهم يفضح تقصير الآخرين، وإما أن يُحمّلوا فوق طاقتهم لأن القيادات تعتمد عليهم وحدهم، فيتحملون معظم الأعباء، أحيانًا حتى في غير تخصصاتهم. بل إن بعض المتميزين أنفسهم باتوا ينظرون إلى العمل الرسمي بوصفه واجهة، بينما يصبون طاقتهم الحقيقية في أعمالهم الخاصة، من دروس وعيادات ومصالح جانبية.
وهنا نتذكر ما يعرف بقاعدة 20/80 التي ارتبطت باسم المفكر والاقتصادي الإيطالي فيلفريدو باريتو، ومفادها أن نسبة صغيرة من الناس أو الجهد تقف غالبًا وراء النسبة الأكبر من النتائج. وفي السياق المؤسسي، كثيرًا ما نرى أن نحو 20% من العاملين يتحملون 80% من العبء الحقيقي أو يحققون النسبة الأكبر من الإنجاز، بينما يظل الباقون في دائرة الأداء المحدود أو الشكلي.
ولو تأملنا واقعنا، سنجد صورًا عديدة تؤكد ذلك: أحزاب كثيرة، ولكن إضافتها الحقيقية للدولة محدودة. وجامعات ومراكز بحثية عديدة، لكن إنتاجها في كثير من الأحيان كمّي أكثر منه نوعي، إلا القليل. ومؤسسات حكومية مكتظة بالموظفين، من مدارس ومستشفيات وغيرها، بينما الأداء الفعلي في مواقع كثيرة لا يتجاوز الحد الأدنى.
من هنا، إذا أردت أن تجيب بصدق عن الأسئلة الأربعة الكبرى: كيف تحب وطنك؟ كيف تخلص له؟ كيف تطوره؟ وماذا تترك لأبنائه من بعدك؟
فابدأ من عملك. أحب وطنك بأن ترى وظيفتك جزءًا من رسالته. وأخلص له بأن تؤدي ما عليك بضمير لا برقابة. وطوره بأن تضيف في موقعك، مهما بدا صغيرًا. واترك لأحفادك أثرًا نظيفًا من الإنجاز والسيرة والقدوة.
لا تُهمل عملك. أتقنه. لا تقلل من قيمته. أبدع فيه. خذ بيد من معك، ولا تتركه. وأخلص فيما تؤديه، لا طلبًا لثناء الناس فقط، بل ابتغاءً لرضا الله قبل كل شيء. لأن الذي يتقن عمله، ويحفظ الأمانة، ويراعي مصالح الناس، ويقدم مصلحة الوطن على الكسل والمصلحة الضيقة، لا يمارس فقط سلوكًا وظيفيًا محترمًا، بل يمارس لونًا عظيمًا من ألوان التقوى. بل إن هذا من جوهر التقوى نفسها, بأن تعبد الله في محراب العمل كما تعبده في محراب الصلاة، وأن ترى الوطن أمانة، لا غنيمة، والمسؤولية تكليفًا، لا مجرد وظيفة. فالعمل هو مفتاح التقدم، حتى لو كان عملاً بسيطًا. فلا توجد مهمة صغيرة إذا أُديت بإخلاص، ولا يوجد موقع بلا قيمة إذا صلحت فيه النية وحسن فيه الأداء.
وحين تكثر في دولةٍ ما الأحزاب والجماعات والمبادرات، فقد يكون ذلك نذيرًا بأن العمل المؤسسي الحقيقي، يحتاج إلى مزيد من العمل والإخلاص فالأوطان لا تنهض بكثرة اللافتات، بل بكثرة المخلصين في مواقعهم. ولا تبنى بالهتاف لها، بل بالعرق الذي يُبذل من أجلها، وبالضمير الذي يحرس مصالحها، وباليد التي تعمل كل يوم في صمت.
إن خدمة الوطن لا تبدأ من الكلام عنها، بل من الإخلاص فيما نفعله لها. ومن أراد أن يترك لأحفاده وطنًا أقوى وأكرم وأجمل، فليتركه أولًا في صورة عمل متقن، وضمير حي، وموقف شريف، وقدوة صالحة. فذلك أنفع للوطن، وأقرب إلى رضا الله، وأصدق تعبير عن التقوى. واضعين نصب أعيننا المصلحة العليا للوطن في هذا العالم التنافسي والذي أصبحت كل دولة تبحث فيه عن مقعدها حتى ولو أزاحت بالقوة مقعد الأخرين.
ا.د. محمد لبيب سالم
أستاذ علم المناعة – كلية العلوم جامعة طنطا – مصر
وكاتب وروائي وعضو اتحاد كتاب مصر
mohamedlabibsalem@yahoo.com
إنها ليست أسئلة عابرة، بل أسئلة كبرى، لأنها تمس معنى الانتماء، وجوهر المسؤولية، وحقيقة الإيمان نفسه. فحب الوطن ليس مجرد عاطفة، والإخلاص له ليس مجرد كلام، والعمل على تطويره ليس ترفًا فكريًا أو رفاهية أخلاقية، بل هو في جوهره باب من أبواب التقوى، بل لعله من أصدق صورها العملية. لأن التقوى ليست فقط صلاة وصومًا وزكاةً وتربيةً للأبناء، على جلالة هذه العبادات وأهميتها، وإنما هي أيضًا أن تؤدي أمانتك في موضعك، وأن تحفظ حق الناس في عملك، وأن ترى مصلحة الوطن جزءًا من رضا الله عنك.
وأظن أن من أزمتنا الفكرية والأخلاقية أن كثيرين صاروا يختزلون رسالتهم في الحياة داخل حدودهم الشخصية والعائلية، فيتصور الواحد منهم أن غايته الكبرى هي أن ينجح لنفسه، ويؤمّن بيته، ويربي أبناءه، ثم يظن أن ذلك وحده يكفيه أمام الله، بل يحقق له تمام الرضا الإلهي. ولا شك أن رعاية الإنسان لنفسه ولأسرته واجب كريم وعظيم، لكنها في النهاية واجبٌ لازم لا اختيارٌ زائد؛ فهي مسؤولية فُرضت عليه بحكم موقعه، لا ميدان تفوّق استثنائي يكتفي به عن سائر الواجبات.
أما القيمة الأعلى، والأثر الأبعد، فيظهران حين يخرج الإنسان من دائرته الضيقة إلى الدائرة الأوسع: إلى العمل العام، إلى نفع الناس، إلى إصلاح المؤسسة التي يعمل فيها، إلى حفظ مصالح المجتمع، إلى العطاء للوطن. وهنا يتجلى المعنى الأعمق للتقوى والوطنية؛ لأن الإنسان لا يعود منشغلًا فقط بمن تلزمه فطريًا أو شرعيًا رعايتهم، بل بمن تمتد إليهم آثار عمله وأمانته وإخلاصه. وكلما اتسعت دائرة تقوى الإنسان، اتسعت مكانته عند الله، لأن الاتساع هنا علامة على سعة الضمير، ونضج الإيمان، وصدق الاستخلاف. فالإنسان الذي لا يعيش لنفسه فقط، ولا لأسرته فقط، بل يحمل همّ وطنه ومؤسسته ومجتمعه، هو أقرب إلى المعنى الكبير للعبادة من إنسان حصر الصلاح في نفسه وبيته وحدهما، هي الخلافة الحقيقية لله في أرضه، خلافة المسئولية وليس خلافة السلطة..
وأظن أن أزمتنا أحيانًا أن كثيرين اختزلوا التدين فيما يمكن أن نسميه إسلام الفرد: عبادته، وصلاحه الشخصي، وتدبير بيته، وتربية أولاده. وهذا كله خير ولا شك. لكن هناك مستوى آخر لا يقل عنه أهمية، وربما كان أشد أثرًا في حياة الناس، وهو إسلام الدولة، أو إن شئت فقل: الإسلام الذي يتجلى في سلوك الفرد داخل المجتمع، وفي أداء الإنسان لعمله وكأنه مسؤول عن وطن، لا مجرد موظف يؤدي الحد الأدنى من واجبه. وهنا يصبح الإتقان عبادة، والانضباط عبادة، والعدل عبادة، والإخلاص في الوظيفة عبادة، وتجويد العمل العام لونًا من ألوان التقوى الحقيقية.
وقد يسأل البعض: هل تكون خدمة الوطن من خلال الأحزاب؟
في تقديري، أري أن هذا الطريق غير فعال، لأن كثيرًا من الأحزاب، في واقعها لا في فكرتها النظرية، تتحول إلى فرق تتنافس على النفوذ والسيادة أكثر مما تتنافس على البناء الحقيقي.
وهل تكون من خلال الجماعات؟
في تقديري، أري أن هذا الطريق غير فعال، لأن أي جماعة، مهما كان اسمها أو شعارها، قد تنشغل بهدف موازٍ لهدف الدولة، أو تجعل ولاءها الخاص أعلى من الولاء العام.
وهل تكون من خلال المبادرات؟
نعم، يمكن للمبادرات أن تساعد، ويمكن أن تفتح مساحات للنفع والتطوير، لكنها في تقديري ليست الطريق الأساسي لنهضة الدول. فالدول لا تبنى بالمبادرات وحدها، وإنما قد تستفيد منها كوسائل مساعدة، لا كبديل عن البناء المؤسسي الحقيقي.
إذن، ما الطريق الأصدق والأقوى؟
في تقديري، العمل. العمل أولًا، والعمل ثانيًا، والعمل ثالثًا. فالعمل هو الطريق الطبيعي والمستقيم والآمن لتحقيق حب الوطن وخدمته والإخلاص له. لأنه يخرج منه إنتاج لا ضجيج، وأثر لا ادعاء. وداخل العمل المؤسسي تكمن القوة الحقيقية لأي تغيير جاد ومستدام.
لكن السؤال المؤلم هو: هل كل واحد منا يؤدي دوره في عمله كما ينبغي؟ خاصة في العمل الحكومي، هل ينظر إلى الوظيفة على أنها أمانة ورسالة ومسؤولية، أم مجرد وسيلة للمعيشة وضمان الاستقرار؟
للأسف، الواقع يقول إن كثيرين لا يؤدون أعمالهم بما يخدم الدولة حقًا. بعضهم لا يضيف شيئًا، وبعضهم قد يهدم أكثر مما يبني. والأسوأ أن المتميزين وسط هذا المشهد كثيرًا ما يدفعون الثمن: إما أن يُنبذوا لأن تميزهم يفضح تقصير الآخرين، وإما أن يُحمّلوا فوق طاقتهم لأن القيادات تعتمد عليهم وحدهم، فيتحملون معظم الأعباء، أحيانًا حتى في غير تخصصاتهم. بل إن بعض المتميزين أنفسهم باتوا ينظرون إلى العمل الرسمي بوصفه واجهة، بينما يصبون طاقتهم الحقيقية في أعمالهم الخاصة، من دروس وعيادات ومصالح جانبية.
وهنا نتذكر ما يعرف بقاعدة 20/80 التي ارتبطت باسم المفكر والاقتصادي الإيطالي فيلفريدو باريتو، ومفادها أن نسبة صغيرة من الناس أو الجهد تقف غالبًا وراء النسبة الأكبر من النتائج. وفي السياق المؤسسي، كثيرًا ما نرى أن نحو 20% من العاملين يتحملون 80% من العبء الحقيقي أو يحققون النسبة الأكبر من الإنجاز، بينما يظل الباقون في دائرة الأداء المحدود أو الشكلي.
ولو تأملنا واقعنا، سنجد صورًا عديدة تؤكد ذلك: أحزاب كثيرة، ولكن إضافتها الحقيقية للدولة محدودة. وجامعات ومراكز بحثية عديدة، لكن إنتاجها في كثير من الأحيان كمّي أكثر منه نوعي، إلا القليل. ومؤسسات حكومية مكتظة بالموظفين، من مدارس ومستشفيات وغيرها، بينما الأداء الفعلي في مواقع كثيرة لا يتجاوز الحد الأدنى.
من هنا، إذا أردت أن تجيب بصدق عن الأسئلة الأربعة الكبرى: كيف تحب وطنك؟ كيف تخلص له؟ كيف تطوره؟ وماذا تترك لأبنائه من بعدك؟
فابدأ من عملك. أحب وطنك بأن ترى وظيفتك جزءًا من رسالته. وأخلص له بأن تؤدي ما عليك بضمير لا برقابة. وطوره بأن تضيف في موقعك، مهما بدا صغيرًا. واترك لأحفادك أثرًا نظيفًا من الإنجاز والسيرة والقدوة.
لا تُهمل عملك. أتقنه. لا تقلل من قيمته. أبدع فيه. خذ بيد من معك، ولا تتركه. وأخلص فيما تؤديه، لا طلبًا لثناء الناس فقط، بل ابتغاءً لرضا الله قبل كل شيء. لأن الذي يتقن عمله، ويحفظ الأمانة، ويراعي مصالح الناس، ويقدم مصلحة الوطن على الكسل والمصلحة الضيقة، لا يمارس فقط سلوكًا وظيفيًا محترمًا، بل يمارس لونًا عظيمًا من ألوان التقوى. بل إن هذا من جوهر التقوى نفسها, بأن تعبد الله في محراب العمل كما تعبده في محراب الصلاة، وأن ترى الوطن أمانة، لا غنيمة، والمسؤولية تكليفًا، لا مجرد وظيفة. فالعمل هو مفتاح التقدم، حتى لو كان عملاً بسيطًا. فلا توجد مهمة صغيرة إذا أُديت بإخلاص، ولا يوجد موقع بلا قيمة إذا صلحت فيه النية وحسن فيه الأداء.
وحين تكثر في دولةٍ ما الأحزاب والجماعات والمبادرات، فقد يكون ذلك نذيرًا بأن العمل المؤسسي الحقيقي، يحتاج إلى مزيد من العمل والإخلاص فالأوطان لا تنهض بكثرة اللافتات، بل بكثرة المخلصين في مواقعهم. ولا تبنى بالهتاف لها، بل بالعرق الذي يُبذل من أجلها، وبالضمير الذي يحرس مصالحها، وباليد التي تعمل كل يوم في صمت.
إن خدمة الوطن لا تبدأ من الكلام عنها، بل من الإخلاص فيما نفعله لها. ومن أراد أن يترك لأحفاده وطنًا أقوى وأكرم وأجمل، فليتركه أولًا في صورة عمل متقن، وضمير حي، وموقف شريف، وقدوة صالحة. فذلك أنفع للوطن، وأقرب إلى رضا الله، وأصدق تعبير عن التقوى. واضعين نصب أعيننا المصلحة العليا للوطن في هذا العالم التنافسي والذي أصبحت كل دولة تبحث فيه عن مقعدها حتى ولو أزاحت بالقوة مقعد الأخرين.
ا.د. محمد لبيب سالم
أستاذ علم المناعة – كلية العلوم جامعة طنطا – مصر
وكاتب وروائي وعضو اتحاد كتاب مصر
mohamedlabibsalem@yahoo.com