" شذرات عن الشّعر "
في تحرّي "يومه" العالمي
إلى "صقر عليشي"
أن يكون الشعر في يومه العالمي، هو أن يُرفَق بإشكالية المكانة والتسمية: مَن هم هؤلاء الذين خصصوا له يوماً احتفائياً في السنة؟ ألا يعني ذلك خفْضه قيمياً، وتأطيره حيوات ٍ، وإخضاعه لمنطق ذائقة لا تتناسب ومفهومه، باعتباره تجاوزاً لشاعره في قوله المختلف عما يُعرَف به في حياته اليومية، تلسكوباً لا يحسن إدارته سواه في الرصد.
***
أن يكون أحدهم شاعراً شاعراً، هو ألا يكون هو بالذات . هو أن يعيش مخاضات تُبقيه في الخلف، هو وليس هو، لامنتمي نفسه المعتادة، لينظر إليه المحيطون به، أنه المنظور إليه عن بُعد وفي الـ" بًعد " وأبعد، وفي موقع لا يبلغه قيمة وجمالاً غيرُه .
***
يا شعراء العالم لا تتحدوا. لأنكم بمجرد التفكير في الاتحاد الواحد، فمالكم بالعملي منه، لن يبقى واحد منكم. حيث الشعر يقوم على التباعد، والشعراء على الاختلاف .
***
الشعر الذي يمتلىء بالعالم، مغاير لكل وجوه الإبداع، لأنه مفهوم جسدي، يتنفس بمساماته .
إذا كان الشعر شعلة سماوية، تعبيراً عن سموّ نسبه، يعني ذلك أن جذوره في السماء، وجذعه يتوسط السماء والأرض، والشاعر هو الذي يورق ويزهر ويتكاثر على الأرض.
***
الشعر هو الذي يتنكر لاسمه، له ما يرفَق به من مشاعر في سياق اليومي. إنه اللحظة الفاعلة بزمنها الخاص، بمكانها الخاص، طلقة نيزكية تشعل ليلاً بكامله، لتكون في الانتظار: صدمة تستشرف المباغت والرائع معاً.
***
يتحرك الشعر – دائماً- خارج كل توصيف، خارج الجاري ترتيبه في أو ليومه" العالمي " ووهم العالمية، إلى جانب وهم التماثل أو التشابه على صعيد كوكبي. لحظة النظر في طبيعة قراءته أو تلقيّه كاعتبار وأثر.
***
جميعنا شعراء، وليس فينا ، من يمكنه قول الشعر. إقرار وإنكار معاً. هنا يأتي الشعر حيث لا يُتوقَّع ذلك، يُرى الشاعر كما لو أنه رقصة نار جليدية، إشراقة ضحك توقظ الليل بكامله، لننظر في أعماقنا، كأننا غرباء عليها.
***
ما يجعل للشعر هذا/ ذاك الشعور، هو أنه في غالبه الأعم، كما يقال، يتنفس من خلال راحتيّ اليدين اللتين تصفقان، أعني وهما " تصفعانه " وليس ما يكون نظير النبع المتدفق المفعّل مجراه في تربة الشعور الخصبة.
لهذا، ما أن ينتهي/ يتوقف الصوت، أو ملامسة قرائية عينياً، حتى يُنسى وكأنه لم يكن .
***
الشاعر الذي يُسمِع صوته من يحيطون به، إن لم يبلبل عليهم وفيهم ألسنتهم، لا يُعَد شاعراً. على الشاعر أن يكتب وصية موته، ولو بينه وبين نفسه، شاهداً دفنه الذاتي، ليتمكن من تعرية المغطى في المعنيين بأمره .
***
ليس الشعر ما يجعل شاعر ركمجياً، إنه استعراض مكشوف، إنما غواص أعماق، يلوّح بالدرر، ليجري الاعتراف به، على أنه يواجههم بأنفسهم تلسكوبياً، بحياة تستبطنهم يخشون الكشف عنها في المصارحة والمصافحة.
***
في اليوم الواحد أستطيع كتابة قصائد عدة. هل أُعطى اعتباراً لما أكتب على أنه يُقرّ بشاعريتي، ويجيز لي حضوراً خارج زماني ومكاني المعلومين. إنه تحدّ، ما أقل أقل الذين يتوقفون عنده، وإليه يكون " مرجعهم".
***
ما أكثر ما سمعت شعراء ، يتمايلون مع " قصائدهم " في مقام راقصات يتمايلن على صوت لحن شهوي" دون إنقاص منهن هنا". الفارق أن مؤخرات الراقصات ، تكون رؤوس هؤلاء، وما في ذلك من تنكيل بالشعر وكاريزميته الفعلية.
***
ماذا لو أن الشعر أعطيَ له حق الكلام،في الذي يجري ويوقَّع عليه باسمه؟ ربما أكون دقيقاً في توصيفي هذا، وهو أن كثيرين، ولهم " تاريخ طويل معه " سيقدّمون اعتذارات كثيرة، بزعم أنهم كتبوا ما كتبوا تحت وطأة ظروف، كانوا عاجزين عن مواجهتها: أي تلبية لتعليمات، ولنيل مكاسب رخيصة. يا لمأساة الشعر !
***
من السابق لأوانه أن يَعتبر أحدنا نفسه شاعراً، حتى لو من العمر قرناً. لأنه بمجرد أن يقول عن أنه شاعر، ينطفىء وهج المسمى فيه. يخسر ماضيه وآتيه ذوي الصلة: ماضيه: لأنه فوَّضه بالتصرف كما يريد دون حدود، كشاعر لاحقاً، وآتيه، لأنه يأتي دون أن يأتي ، ليعيش حيوات تترى تتدفق في الجهتين، فيثرى .
***
هناك في الشاعر، يوجد ما أسمّيه بـ" شعلة مائية " ذات قمة جبلية. المغزى. أن الشعلة في أساسها محدودة القاعدة، لنقل العمق، بينما " المائية " فعمقها محيطي، ولا يهدىء. شعلة الشاعر خلاف غيرها تلك المعتادة في أوساطنا، هذه التي تتطلب وصلها بمصدر وقودي خارجي، وتلك لها خارج داخلي لا ينضب.
***
في الحديث عن " اليوم العالمي للشعر" إن جرى اتفاق ما، في حدود جغرافيته، وتنوعه الثقافي، لا بد أن يكون في مقام جُزر مائية عملاقة متجاورة. لكل منها مجالها الجوي، وحدودها المائية، وعمقها المختلف. نعم، الجميع هنا مائيون، ولكن الكثافة، والثراء المعدني والحيوي في المختلفة، يتبع موهبة الشاعر، وجرأته بالمقابل .
***
النسيان داء الشعر الأعظم، ودواؤه الأتم، وبالتناوب. على الشاعر، أن يكون محرراً من كل صلة له بالذاكرة. لأن هذه تبقيه أسير مكان مقولب، مؤطَّر، كما هي التبعية العائلية التي لا فكاك من أسرها. في كل نسيان، ثمة ولادة لذاكرة موقتة خاضعة للانظام المختلف في ولادة قصيدة. ليس هناك أخوَّة عائلية لنصوص الشاعر، أو بين الشعرء. إنهم شعراء، نعم، إنهم عالميون، ليكن ذلك، لكن كل واحد يكون له لسان داخلي لقول الشعر، بالطريقة هذه يحضر العالَم، دون أن ينتهي، بالطريقة هذه يكون التوق إلى اللامتناهي ظله الخفي.
***
قل لي أي شاعر أنت، أقل لك أي شعر تقول أو تكتب، وليس العكس. الشاعر مرئي، ملحوظ، وحين يقول شعراً، أستطيع معايشته، وبقدْر براعته، يزداد خفاء، إنها حالة نيرفانية تدريجية تصل به إلى التلاشي. لا شيء يخلفه وراءه.. لا رماد يدل عليه، لا تربة تحمل بصمته، إنما إشعاعات تتدفق في الاتجاهات كافة.
***
أنا أكون أنا، إذن أنا شاعر. إنه الاتفاق الضمني الذي يجري بين الشاعر ونفسه الأمارة بالشعر. أن يكون الشاعر نفسه، مباشرة انفصال عن القطيعية، والالتزام بقواعد معتادة في قرض الشعر، وليس عليه أن يفكر في التبعات. كل حساب من هذا النوع، خروج عن جادة الشعر، وتسفيه لمعناه، وإرضاء رخيص للمحيط.
***
كل لحظة شِعرية، بمفهومها الحسابي، تعادل على الأقل، عقداً زمنياً. إنها الكثافة الوحيدة والهندسية، التي يكون بمقدورها، كما هي خاصية الزبدة/ القشطة، المستخلصة من الحليب.هذه القلة هي شهقة القصيدة وعلامة تحليقها عالياً.
***
في السؤال المعتاد، والموجَّه إلى شاعر ما: كم قصيدة كتبت؟ يكون السؤال الحصري، بمسح ميداني مؤسف. في السؤال الاستثنائي والذي يبهج روح الشعر، والموجه إلى شاعر ما: إلى أين وصلت بك قصيدتك؟ هي مسيرته الإبداعية، تنويعاته في قول المختلف. كل نقلة توسيع لمأثوره الفني وتعميق لأفقه تحديداً.
***
مؤلم جداً، حين يسترسل الشاعر، وقد بلغ من العمر عتياً، في نسج سردية حياتية تخصه شعرياً. يا لها من خيانة للوصية الوحيدة/ الدرة اليتيمة للشعر، والمتمثلة في الامتناع عن تسمية نقاط ارتكازه الشعرية. إنه كائن آخر بعيد كلياً عن كونه الشاعر. عليه أن يكون " سرَّه " المستدام، ليكون له حضوره المستدام المهيوب.
***
كل مقاربة/ مكاشفة من نوع نقدي لأي نص شعري، من مثل: يخبرنا الشاعر، أو تقول لنا القصيدة، أو نتلمس في الشاعر أو القصيدة.. كذا وكذا وكيت، دون الفصل بين مقول المقول الذي يتكلم قارئه/ ناقده، والشاعر أو الشعر المقروء/ المدروس، خرْق لهذه العلاقة المعتبَرة، لأن الشعر الشعر" أقولها مرتين " عمق لا يُسبَر.
***
في المقولة التي أصبحت مألوفة، حين يُطلب من الشاعر أن يشير إلى ما يشغله ويتمناه، وقوله: أجمل قصيدة تلك التي لم أكتبها بعد. إنها عبارة، رغم شفافيتها، أو صراحتها، في بنيتها ضالّة، مضلّلة. ضالة، لأنها تتحدث عن بداهة، لا ينبغي التباهي بذلك، ومضلّلة لقائلها ومن يسمعها، وكأن لديه ما لم يكتبه بعد، وهو منتظر، حيث كل قصيدة تَرفَق في لحظة ما بمثل هذه النمطية. في المنحى الآخر، ثمة نوع من الانتحار المجاني هنا، وكأن الشاعر يعتبر ما كتبه دون المستوى المشدود إلى القصيدة التي ينتظرها وتكون الأجمل . يا للتناقض البائس!
***
في اليوم العالمي للشعر، يتحلق الشعراء حول مائدة كبيرة، بحجم كوكبهم، والمطروح قلوبهم المدماة، وتُلتَقط صور لهم، من باب الطرافة، كما لو أنهم آلهة أولمب، وقد جرى ترويض الشاعر فيهم كثيراً وبتشفّ.
***
لم أحصل حتى الآن على مقاربة ثقافية-تاريخية لآية" وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ "القرآنية. إلا من وازع إيماني مؤطر.في الوقت الذي يشار إلى المكانة المعتبرة للشاعر بين بني قبيلته، وبالنسبة للعرب" الشعر ديوان العرب"، إسلامياً: تم الفصل بين المؤمن ونقيضه. المعضل هنا فيما إذا كان الشاعر" المؤمن والصالح " الذي يخدّم " لسانه كما هو متوخى منه محيطياً، قد بقي فيه ما يجعله المختلف، والرائي عن بعد بأناه العالية!
***
الشعراء الشعراء خارج السياق المذكور، يلاحقهم حراس القطيعية ودعاتها. ألا ما أقلهم. ما أخفض صوتهم. هنا يكون الصاعق: ما عليه مجتمعهم من انغلاق. حين يفجّر الشاعر مكبوته المجتمعي، يظهر الراكد كثيراً.
***
لا بأس أن يكون الشاعر زير نساء، حيث يمكن سماع ما هو جميل ومبدع ويحمل بصمته، أما أن يكون " بوق " سلطة، لسان حالها، بمعنى " زيرها المخصي "، يكون الحداد المستمر على روح مبتذلة شعرياً.
***
وضِع الشعراء في " طبقات " أو مراتب متباينة من حيث الجودة، أو مقام الشعر. ثمة شعراء كبار، وآخرون صغار، وغيرهما متوسطون...إلخ، ذلك تلاعب بمفهوم الشعر، وإساءة إليه في الصميم. بعيداً عن الألقاب أو الصفات. الشاعر واحد، واحد فقط، يعيش أمساً، ويتكلم حاضراً، ويشاد به مستقبلاً. التقسيمات وجِدت تعبيراً عن خلطة غير متحانسة، ولكنها مصطنعة. هناك ما هو شاعر وليس بشاعر..نقطة انتهى .
عندما يردد " جمهور " شاعر، أنهم لا يفهمونه، لأنه يقدّم مختلفاً. تكون ولادة الشعر. حسن. تالياً، سوف يحاول أولئك التنبه وتقصّي اعتباطيتهم، والتقاط الأنفاس، والثناء عليه .
***
للشاعر زمان ومكان معلومان: مسقط رأسه، وسنة ولادته حرْفياً. سوى أن مجهول الاسم هذا هو في معلوم لا بد من التشديد عليه، هو أنه مؤمّم زمان ومكان مفتوحين. حين يقرَأ الشاعر كما لو ظهر للتو .
أهذا تشدّد؟ ألا يحتاج من يعطى مكانة اعتبارية استثنائية تشدداً كهذا، للحيلولة دون دخول المتطفلين وخلافهم؟
***
ألقاب من نوع: " أمير الشعراء " تضر بالشعر، بقدْر ما تسيء إلى الاسم المعتبَر: الشاعر. يضعنا مفهوم من نوع" أمير الشعراء " إزاء مأزق مريع، طبقاتي، ثمة الأمير ومن هو دونه ، جهة القيمة، التبعية، السخرة.
ليت تفكيراً مبهجاً بصدد موضوع ما، يصل قائله أو صاحبه بتاليه، لمعرفة تبعات تعاط تصوُّري كهذا!
***
في " اليوم العالمي للشاعر" أشعل شمعة صغيرة، باسم الشعر الشعر، في زاوية مكتبتي الصغيرة الصامتة البليغة بالنسبة، ودون إعلام أي جهة إعلامية هنا وهناك، وأنا على الجسر الفاصل بيني وبيني، وثمة النهر المتدفق " أعلاي " هذه المرة، وأنا أتطهر في زلاله وجماله ولاتناهي مقاله ..