أمل محمد منشاوي - ذاكرة مشوشة...

تكورت على السرير الأبيض في غرفة تتسع لثلاثة، لم يكن بالغرفة غيري، ما زال السريران الآخران شاغران رغم اختياري لهذه الغرفة الجماعية حتى لا أبقى وحدي في انتظار السائلين.
أفرح عندما تدخل عليّ إحدى الممرضات أو عاملات النظافة، لكنني كنت واهنة إلى الحد الذي لا أستطيع فيه الحديث إلى أي منهم، مر اليوم الأول بلا طعام أو شراب، فقط محاليل تتصل بأوردتي تعينني على البقاء في عداد الإحياء، في اليوم التالي جاءت الممرضة ومعها الطبيب، سمعتها تقول له:
أنظر يا دكتور... مازالت ممتنعة عن الطعام منذ أسبوع مضى، أخبرونا أنها لابد و أن تعرض على طبيب النفسية قبل منحها الإجازة والسماح لها بالمغادرة.
لمحتْ عينيّ الطبيب، عرفته و لم يعرفني إلا عندما قرأ بياناتي المسجلة عنده، بدت عليه المفاجأة، نظر إلي بحنان مصطنع، قال: إيه يا صغيرتي... ما الذي حدث؟ لماذا إضرابك عن الطعام؟ ما الذي يحزنك؟ أخبريني بكل شيء! لم أتخيل أن انفصالكما سيؤثر عليكِ كل هذا التأثير!
ابتسمتُ بوهن، قلتُ بصوت خافت: عن أي انفصال تتحدث يا عادل؟ أنا فقط مريضة!
جلس بجواري على حافة السرير وأمسك معصمي يقيس نبضي، راح يدون أشياء في الأوراق التي بين يديه، تكلم ببساطة لم أعهدها فيه من قبل
_ما أعرفه أنكِ أنتِ من طلبتِ الانفصال، هل ضعفتِ مرة أخرى وأعادكِ الحنين إلى الأيام الخوالي.
لم أجب، بحثتُ في ذاكرتي عن الأشياء التي يتحدث عنها لكنها لم تسعفني بمعلومة واحدة، ربما عدت إلى الوراء عامين أو أكثر لكن الصورة ما زالت مشوشة أمامي، تنهدت وقلت باستسلام: هل ستمنحني إجازة؟
قال: لا تنشغلي بأمر الإجازة، أخبريني فقط... ما الذي يؤلمك؟
قلت: الوحدة...! قطع كلامي بإشارة من يده يستمهلني ليرد على هاتفه، تحدث بلطف مع المتصل، كانت زوجته، أنهى المكالمة بوجه بشوش ثم عاود الحديث معي بحنانه المصطنع، سألني: لماذا طلبتِ الانفصال إذن؟
سألت بقلق : هل انفصلنا؟!
رفع حاجبيه متعجبا، دارت عيناه يمينا ويسارا، دوّن في الأوراق شيئا، كان يتمتم وهو يكتب بكلمات لم أفهم منها غير كلمة الذاكرة.
قلت موضحة سبب طلبي للإجازة: أريد السفر إلى أولادي، الوحدة تكاد تقتلني.
تذكرت أشياء بعد تلفظي بهذه العبارة، بدأت الصورة تتكشف أمامي، وبدأت تتجلى لي إجابة السؤال الصعب... لماذا أنا وحيدة؟
لم أحتمل أن أصبح على هامش الحياة بعد ما تحملته فيها لإنجاح البيت، سافر الأبناء كل منهما إلى بلد بعيد، انتبه زوجي للمعضلة التي لم يفكر فيها من قبل، لماذا لم ننجب سوى الولد والبنت؟
أخبرني أنه عازم على الزواج، يريد المزيد من الأبناء وأنا لن أستطيع أن ألبي طلبه، لم أفكر طويلا، اخترت الانفصال واختار هو العزوة، بدأ من جديد وبقيت وحدي ألملم حكايات الماضي لأجدلها معا في أغنية حزينة بلا ألحان.
رن الهاتف من جديد، أخرجني صوته الراقص من فرط السعادة من بين أفكاري، قال بلهفة ملوحا بهاتفه: ابنتي هناء.
تأملته وهو يحدثها، لم يتغير كثيرا، فقط بضع شعيرات بيضاء تشي بمرور الزمن، يكبرني بأعوام كثيرة ورغم ذلك بدوت أمامه كعجوز خرف، أنهى المكالمة بذات الوجه البشوش، قال بارتياح: أتعلمين... لم أعلم أحدا يحب عائلته كما أفعل أنا.
ضحكت من قلبي حتى دمعت عيناي، بدا على وجهه الاستياء، رمقني بغيظ حتى انتهيت من الضحك، مسحت عيني بطرف الملاءة التي تغطيني وأنا أقول: أعذرني على ضحكي... لم أضحك هكذا منذ مدة.
قال بغيظ: لو أن مشاعري تجاه أسرتي تسعدك وتسليكِ إلى هذا الحد فقد كسبتُ الرهان، فأنا ما زلت رغم كل ما مضى الوحيد القادر على إسعادك.
قلت بهدوء: لستُ حزينة يا عادل، ليس هناك ما يحزنني، لم أحزن من أجلك ولا من أجل زوجي الذي غدرني، أنا فقط مريضة... أعاني الوحدة في المرض، لم أمتنع عن الطعام، أنا فقط لم أجد من يعده لي.
يد قوية راحت تهزني بلطف، وأخرى تمسد فوق رأسي، تناهى إلى سمعي صوت فتاة تقول: حرارتها عالية يا بابا لذلك تهذي.
رد صوت أجش: لو لم تفق سأحضر لها الطبيب.
خرقة مبللة بماء بارد استقرت فوق جبهتي فأفقت، فتحت عيني بوهن، غمرني ضوء الغرفة الساطع، طالعني وجه ابنتي الباسم، وبادرني صوت زوجي الأجش يسألني: من عادل؟
#أمل
٢٣/ ٣/ ٢٠٢٦
______________________________

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...