شريف محيي الدين إبراهيم - ميزان الظل...

لأول مرة…لم يكن السؤال: حلال … أم حرام؟
بل: هل تترك الميزان يسقط…أم تمسكه،و لو احترقت يداك؟

***
من داخل قاعةٍ زجاجية كبيرة تتوّج قمة المبنى ، وقف ينظر إلى المدينة تحت قدميه، بأضوائها المتقطّعة
كانت إحدى النوافذ مفتوحة قليلًا، يتسلل منها هواء بارد محمّلًا برائحة البحر ممزوجة بدخانٍ خفيف، ويصعد عبرها صوت بائعٍ بعيد، ونباح كلاب من الأزقّة الضيقة.
بدت المدينة من هناك وكأنها تحترق ببطء… دون أن يلاحظ أحد.
لم يعتد هذه الأصوات،
ولا هذا الاتساع.

قبل أسابيع قليلة فقط، كان في غرفة ضيّقة في لندن ، كتب وتسجيلات ولقاءات محدودة، وجمهور لا يراه لكنه يؤمن به.
كان صوتُه أبعدَ انتشارًا من صورته، وكان اسمُه يتردد على الألسنة ويُستشهد به: الشيخ والداعية عمر مراد عبد الحق.
مواقفُه حادّة، وفتاواه قاطعة، لا يخشى بطشَ حاكمٍ ولا يُبالي باتهامٍ بالتطرّف.
يرى أن العالم قد اعوجّ، وأن الحكم لله وحده؛ فالخير بيّن، والشر بيّن.
وكان مطاردًا، لا يتحرّك إلا في الخفاء.
قالوا إنه ينتمي إلى جماعةٍ محظورة… وهو لا يدري أيَّ جماعةٍ يعنون؛ فجماعات الحظر كثيرة.

ثم مات والده…السيد : مراد عبد الحق.
رجل الأعمال، صاحب البر والتقوى… كما كان يُقال.
سارت الأمور على نحو يبدو طبيعيًا: ميراث، شركات، حسابات، وجوه رسمية، وزراء، رجال أعمال، اتصالات لا تنتهي…

لكن ثمة شيئًا في التفاصيل كان مقلقًا:

حضور رؤساء وملوك في الجنازة،
رسائل مقتضبة لا تُفهم،
نظرات تحمل أكثر من الاحترام… وربما أكثر من الخوف.

ثم جاء رجال لا يبتسمون.

أخذوه دون نقاش،
وسافر معهم دون اختيار.

لم يُقيّد… لكنه لم يكن حرًا.

قال كبيرهم وهو يصافحه:
— أهلًا بالزعيم.

لم تعجبه الكلمة، فقال بهدوء متماسك:
— لست زعيمًا… أنا داعية.
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة:
— الاثنان متقاربان... أنت الوريث… أنت مكان أبيك.
تجمّد:
— مكانه في ماذا؟
لم يُجيبوه.
صار يتحرك بحرية،
تُفتح له القاعات والمطارات،
ويُدعى إلى الاجتماعات واللقاءات،
ويُؤمَّن حضوره بين الجماهير.

بعد أن كان مطاردًا… صار محروسًا.

قالوا له:
— العالم كله يحميك الآن.

لم يفهم.

كيف يتحول رجل قضى نصف عمره هاربًا، مهددًا بالقبض عليه في كل لحظة،
إلى رجل تحرسه قوى لا تُرى؟

***

والآن يقف هنا في هذه القاعة الزجاجية
ينظر إلى المدينة كأنها كتاب مفتوح ولكن لا يفهم لغته.
ابتسم الآخر، اقترب منه ، عيناه تلمعان كاللؤلؤ في الظلام، وشعره يبدو وكأنه يختلط بالظل المحيط به،
ضحك ضحكة قصيرة، فيها صدى غريب وكأن الهواء نفسه يرددها:
— أترى هؤلاء؟
وأشار إلى الشارع:
— النوافذ المضيئة… الأزقة المكتظة… الأمهات ،الأطفال ،الرجال … العابرون… النائمون خلف الجدران… الحالمون الذين لا يعرفون…

ثم قال بهدوءٍ بارد :
— هؤلاء أمانة.

قال عمر:
— أنا مسؤول عن نفسي وعن دعوتي.

ردّ، دون أن يغيّر نبرته:
— بل أنت مسؤول عن كل هذا.

اشتدّ صوته:
— لم أختر هذا!

قال الرجل ببطءٍ قاطع، وابتسامةٌ خفيّة تومض على وجهه :
هذا دورٌ متوارث.... هذا قدرك.

— اختيار من؟!

— سمّه ما شئت… قوّة لا تُرى… نظام أكبر من الدول.

قال عمر بحدّة:
— ومن تكون أنت؟ أإنسان مثلنا؟

قال الرجل بقوة :
— أنا الصندوق الأسود… صلتك بالعالم الذي لا تراه: حافظُ أسرارك، ومرشدك، وحارسك، وحامل مفاتيح السرّ والمال والسلاح والسلطة.
أعرفك منذ وُلدت… أكثر مما تعرف نفسك.

ارتجف شيء داخله.
كأن ما عاشه لم يكن كاملًا…
كأن هناك طبقة كانت دائمًا مخفية عنه،
وكان هو… يختار ألا يراها.
تذكر كلمات جدته :
"أبوك ليس مثل باقي الناس… وإنت أيضا ."
تذكر رجال كانوا يأتون في أوقات غريبة،
ألقاب لا تُفهم،
خرائط، خطوط، أسماء،

عاد إلى الحاضر.

قال بعناد ضعيف، كأنه يتمسك بآخر ما بقي:
— شركات أبي كانت حلالًا.

ابتسم الرجل:
— كانت واجهة.
سقطت الكلمة… لا كحكم فقط، بل ككشف يهدم ما تبقى.
اقترب منه ببطء أشد:
— أنت كنت ترى أباك محسِنًا، رجلًا صالحًا…
وهذا صحيح، لكنه ليس كل الحقيقة.

سكت لحظة، ثم قال، وعيناه تتوهجان :
— دور أبيك كان أهم من كل ذلك.

ارتعشت عينا عمر:
— ماذا تقول…؟

قال بصوت ثقيل :
— كان يحمل توازنًا… لو سقط، سقطت معه أشياء لا تتخيلها.

ثم نظر في عينيه مباشرة، وابتسامة خفيفة تتحرك على وجهه :
— أتعرف لماذا لم يُكشف؟
لأنه لو كُشف… لانهارت الصورة التي تؤمن بها عن العالم..... أنا أعلم أن الأمر صعب، وأقدر تماما موقفك ،ولكنك مع الوقت ستستوعب أشياء كثيرة لازالت مستعصية على فهمك.

قال عمر، وقد استقام صوته فجأة كمن استعاد نفسه من حافةٍ سحيقة : — … ما أفهمه أنكم لا تحفظون التوازن، بل تُديرون الفوضى وتسمّونها نظامًا.
… وهذه أقدم حيلة عرفها البشر: أن ترتكب الشرّ وتُقنع نفسك أنك تمنع ما هو أسوأ، لو كان وجود الشر مبررًا لصناعته، فما الفرق بين من يُشعل النار ومن يزعم أنه يحدّها؟!
أنتم لا تمنعون الانفلات… أنتم ترسمون حدوده بما يخدمكم.. إذا كان أبي زعيمكم فأنا لا أرى في صورته إلا وجه آخر للشيطان.

صمت الرجل قليلا
ثم أردف، وصوته ينساب في الهواء كما لو أنه يخرج من زاوية مظلمة:
— على العكس…
لقد كدنا نطلق عليه لقب "القديس".
كان يدخل جوف النار … ليمنعها من أن تبتلع كل شيء،
يقف داخل النار… ليُبقيها محدودة.
ثم أضاف الرجل ببطء ثقيل، وكأن كلماته تتغلغل في عقل عمر:
— ولتعلم… حتى الشيطان له دوره في الميزان.
إذا اختفى، سيختل التوازن، وستصبح الفوضى مطلقة…
الشيطان… جزء من النظام، جزء من الاختبار ، جزء من التحدي… جزء من الميزان نفسه.
قال عمر في حدة : إذا كان الشيطان جزء من الميزان فإن الاختبار في مقاومته لا في التعاون معه.

اقترب منه الرجل أكثر، وعيناه تلمعان بوهج غامض:
ارتجف عمر، و شعور بالرهبة يغمره.
الصراع.
لم يكن خارجيًا…
بل داخله…

المنابر،
الآيات:
"ومن يتق الله يجعل له مخرجًا…"
لكن…
أين المخرج… إذا كان الطريق كله نارًا؟
ارتبك.
قال بصوت مكسور:
— كل ماذكرته لي مجرد تبرير لأهدافكم.
قال الرجل، وعيناه تتوهجان بالليل والظل:
— لأنك لازلت تنظر من الخارج…
وأبوك كان داخل المعادلة.
وأشار إلى المدينة:
قال عمر في دهشة:
— تجارة سلاح، مخدرات، خمور، رقيق أبيض…

— هذا العالم قائم على ميزان:
ذراع ظاهر… وذراع خفي.... انظر جيدًا…
هذه ليست مدينة… هذه طبقات.

أناس في الأعلى… يقرّرون،
أناس في الوسط… ينفّذون،
أناس في الأسفل… لا يعرفون حتى أنهم جزء من اللعبة.

التفت إليه:
— كل عصر له لغته… لكن المعنى واحد.

سكت، ثم قال ببطء، وعيناه تشعان ضوءًا غير طبيعي:
— كانوا يسمّونهم قديمًا عبيدًا…
واليوم يسمّونهم موظفين، جنودًا، أتباعًا، جماهير.

ارتعشت عين عمر.
— لا تتفاجأ…
الاسم يتغيّر… لكن الموقع لا يتغيّر.
حتى الدين نفسه الذي تؤمن به … لم يُنكر وجود هذه الطبقات،
بل نظمها… وضع لها حدودًا…
لأن العالم لا يقوم بلا تفاوت.
الفوضى ليست أن يوجد سيّد وعبد…
الفوضى أن يختفي السيّد… فيتحوّل الجميع إلى وحوش.

ثم نظر إليه نظرة مباشرة، وعيناه تتوهجان في الظلام:
— أبوك… لم يكن يُنكر هذا الواقع…
كان يمنعه من أن ينفلت.

نظر إلى المدينة.

لم تعد أضواء…
بل ميزانًا هشًا،
يميل… وينتظر

قال بصوت خافت:
— وإن رفضت؟

قال الآخر في حدة :
— القبول والرفض ليسا خيارين متاحين.

— أنا لا أخاف الموت.

قال الرجل ببطء، وصوته يتردد :
— سيأتي غيرك…
وربما يُحاسبك ضميرك على رفضك.
هل تضمن من سيأتي بعدك؟

لأول مرة…
صار خوفه يقوده إلى باب يخشاه.
باب قد يكون الدخول إليه… هو نفسه النجاة، أو الهلاك.

في الأسفل…

طفل يقف أمام كرة… ينتظر.

نظر إليه عمر.

قال بصوت بالكاد يُسمع:
— كنت أدعو الناس…
والآن…ولأول مرة…لم يكن السؤال:
حلال… أم حرام؟
بل: هل أترك الميزان يسقط،أم أمسكه…ولو احترقت يداي ؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...