حساب البيدر غير حسابات الدفتر: انتخابات الهيئات المحلية بين هندسة القانون وتعقيدات الواقع

حساب البيدر غير حسابات الدفتر: انتخابات الهيئات المحلية بين هندسة القانون وتعقيدات الواقع

تقرير صحفي تحليلي موسّع – اعداد وتقرير علي ابوحبله



في المشهد الفلسطيني الراهن، يبدو أن المثل الشعبي العميق الدلالة “حساب البيدر غير حسابات الدفتر” لا يعبّر فقط عن فجوة عابرة بين النظرية والتطبيق، بل يكشف عن إشكالية بنيوية أعمق تمسّ طبيعة النظام الانتخابي المحلي، وقدرته على إنتاج إدارة رشيدة ومستقرة. فبين نصوص قانونية صيغت بروح الإصلاح، وواقع سياسي وأمني واجتماعي مثقل بالتعقيدات، تقف انتخابات الهيئات المحلية أمام اختبار يتجاوز صناديق الاقتراع، ليطال جوهر الحكم المحلي ووظيفته التنموية والخدمية، خاصة في ظل بيئة إقليمية ملتهبة وحالة عدم استقرار غير مسبوقة.



أولاً: هندسة قانونية بطموح إصلاحي… وواقع يعيد إنتاج الإشكاليات

أدخلت التعديلات الأخيرة على قانون الانتخابات البلدية والقروية تحوّلاً في فلسفة التصويت، من خلال توسيع خيارات الناخب (من 1 إلى 5 مرشحين)، في محاولة لتعزيز التمثيل والتعددية.

غير أن هذا التعديل، ورغم وجاهته النظرية، اصطدم بواقع هش، فبدلاً من تعزيز العمل الجماعي، ساهم في تفكيك البنية التعاونية داخل القوائم، وإضعاف البرامج، وتعزيز النزعة الفردية، ما أفرغ الإصلاح من مضمونه العملي.



ثانياً: تعويم القوائم… أزمة بنيوية في التمثيل المحلي

تحوّلت ظاهرة “تعويم القوائم” إلى خلل بنيوي يعكس غياب العمل السياسي المنظم، حيث تُبنى القوائم على اعتبارات عائلية وشخصية، مع غياب البرامج والانسجام الداخلي. وفي ظل عدم تحديد رئيس مسبق، تتحول المجالس إلى ساحات صراع بعد الانتخابات، بما يهدد استقرارها ووظيفتها.



ثالثاً: الناخب بين تعددية الخيارات وغياب المعايير

رغم أن تعددية الخيارات تعزز حرية الناخب نظرياً، إلا أنها عملياً أدت إلى إرباك في الاختيار، وتغليب الاعتبارات الاجتماعية على الكفاءة، ما يضعف جودة التمثيل المحلي ويحوّل الانتخابات إلى عملية فرز اجتماعي لا تنموي.



رابعاً: البعد السياسي… الانقسام وتآكل الدور الحزبي

لا يمكن فصل الانتخابات عن السياق السياسي العام، حيث أدى استمرار الانقسام وتراجع دور الأحزاب إلى تفريغ العملية الانتخابية من مضمونها البرامجي، وتحويلها إلى منافسة فردية وتحالفات ظرفية، بعيداً عن المساءلة السياسية الحقيقية.



خامساً: التداعيات الإدارية… من انتخابات إلى أزمة حوكمة

المعطيات الحالية تشير إلى احتمال إفراز مجالس تعاني من ضعف الانسجام وتضارب الصلاحيات، ما ينعكس سلباً على جودة الخدمات وثقة المواطن، ويفتح الباب أمام أزمة حوكمة محلية حقيقية.



سادساً: قراءة قانونية – نحو مراجعة وظيفية للنص

يتطلب الواقع مراجعة آليات تشكيل القوائم، وإلزامها ببرامج واضحة، وإعادة النظر في آلية اختيار الرئيس، وتعزيز أدوات الرقابة، بما يضمن إنتاج مجالس مستقرة وقادرة على الحكم.



سابعاً: البعد الاستراتيجي – استنهاض الحكم المحلي

إصلاح المشهد الانتخابي يرتبط بإعادة بناء الثقافة المؤسسية، وتعزيز الكفاءة الإدارية، وتمكين المجالس مالياً، وترسيخ الشفافية والمساءلة، بما يعيد الثقة بين المواطن والمؤسسات.



ثامناً: البيئة الراهنة… عامل حاسم في تقييم جدوى الانتخابات

لا يمكن إغفال أن إجراء الانتخابات في ظل ظروف الحرب والتصعيد الإقليمي، وما يرافقه من ضغوط اقتصادية وأمنية، وتراجع في الخدمات، يطرح تساؤلات جوهرية حول جدوى التوقيت.

فالانتخابات، في جوهرها، تحتاج إلى بيئة مستقرة تضمن تكافؤ الفرص، وحرية الحركة، وقدرة المجالس المنتخبة على العمل، وهي شروط تبدو اليوم محل شك كبير.



خلاصة استراتيجية

تقف انتخابات الهيئات المحلية أمام مفترق طرق:

إما أن تكون مدخلاً لإصلاح حقيقي، أو أن تتحول إلى عبء إضافي على نظام سياسي وإداري مثقل بالأزمات.



وفي ضوء المعطيات السياسية والأمنية الراهنة، فإن القراءة الواقعية تشير إلى أن البيئة الحالية غير مهيأة لإجراء انتخابات قادرة على تحقيق أهدافها، ما يجعل خيار التأجيل – كإجراء احترازي – أقرب إلى منطق المصلحة العامة، حفاظاً على نزاهة العملية الانتخابية، وضماناً لإنتاج مجالس فاعلة وليست مشلولة منذ لحظة ولادتها.



“في ظل الحرب والاضطراب، لا تُقاس الديمقراطية بعدد صناديق الاقتراع، بل بقدرتها على إنتاج استقرار حقيقي. وإذا كانت الظروف الراهنة تعيق هذا الهدف، فإن تأجيل الانتخابات لا يُعد تراجعاً عن الديمقراطية، بل حماية لها… لأن حساب البيدر، في زمن الأزمات، لا يمكن أن يطابق حسابات الدفتر.”

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...