المؤتمر الثامن لحركة فتح: لحظة الحسم بين التجديد أو التآكل

المؤتمر الثامن لحركة فتح: لحظة الحسم بين التجديد أو التآكل

بقلم: المحامي علي أبو حبلة –



في لحظة فارقة من تاريخ القضية الفلسطينية، تقف حركة “فتح” أمام اختبار وجودي يتجاوز حدودها التنظيمية، ليطال مجمل المشروع الوطني الفلسطيني. فمع اقتراب انعقاد المؤتمر الثامن، لم يعد السؤال متعلقًا بموعد انعقاده بقدر ما أصبح مرتبطًا بمضمونه ونتائجه، وقدرته على إحداث تحول حقيقي يعيد الاعتبار لدور الحركة كقائدة لحركة التحرر الوطني، لا كإطار إداري محكوم بقيود السلطة وتعقيدات الواقع.

لقد شكّلت “فتح” منذ انطلاقتها ركيزة المشروع الوطني، وحاضنة التعددية السياسية، والعمود الفقري لمنظمة التحرير الفلسطينية. إلا أن تراكم التحديات الداخلية، وتراجع الأداء التنظيمي، وتداخل الأدوار بين الحركة والسلطة، أفضى إلى حالة من الترهل والاغتراب عن القاعدة الشعبية، الأمر الذي يستدعي مراجعة جذرية وشجاعة تعيد تصويب المسار.

أولاً: المؤتمر ضرورة وطنية لا ترف تنظيمي

إن انعقاد المؤتمر الثامن لم يعد مجرد استحقاق داخلي مؤجل، بل ضرورة وطنية تفرضها التحولات العميقة في البيئة السياسية الفلسطينية والإقليمية. فمنذ المؤتمر السابع عام 2016، شهدت القضية الفلسطينية تراجعات خطيرة، في ظل تصاعد الاستيطان، وانسداد الأفق السياسي، وتآكل النظام الدولي القادر على فرض أي تسوية عادلة. وفي المقابل، لم تواكب البنية التنظيمية للحركة هذه التحولات، ما خلق فجوة بين الواقع ومتطلبات المواجهة.

وعليه، فإن المؤتمر يجب أن يُعقد على قاعدة ديمقراطية شفافة، تعيد الاعتبار لدور القاعدة التنظيمية، وتكرّس مبدأ المحاسبة والتجديد، باعتبار المؤتمر العام السلطة العليا القادرة على إعادة صياغة السياسات واختيار القيادة.

ثانيًا: وحدة الحركة مدخل لاستعادة الدور الوطني

لا يمكن لحركة “فتح” أن تستعيد موقعها الريادي دون إنهاء حالة الانقسام الداخلي والتشظي التنظيمي. إن أي مشروع إصلاحي حقيقي يبدأ من الداخل، عبر مصالحة تنظيمية شاملة، تُنهي الإقصاء، وتفتح المجال أمام جميع الكفاءات.

ويتطلب ذلك:

اعتماد معايير الكفاءة والنزاهة في التمكين القيادي ، وإطلاق حوار داخلي صريح ومسؤول. ، وتفعيل الانتخابات التنظيمية وتجديد الشرعيات.

فالوحدة التنظيمية ليست خيارًا تكتيكيًا، بل شرطًا بنيويًا لاستعادة ثقة الشارع، وتعزيز القدرة على مواجهة التحديات الوطنية.

ثالثًا: تجديد الرؤية السياسية في زمن التحولات

التحدي الأبرز أمام المؤتمر لا يكمن في تغيير الأشخاص، بل في إنتاج رؤية سياسية جديدة تستجيب لتحولات المرحلة. فالمطلوب برنامج وطني شامل يعيد تعريف أدوات النضال، ويوازن بين العمل السياسي والدبلوماسي والميداني.

وهنا تبرز أسئلة مفصلية: كيف تُدار المواجهة في ظل انسداد أفق التسوية؟ ما هو موقع “فتح” في خارطة التحالفات الإقليمية الجديدة؟ وكيف يمكن استعادة الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام؟

إن الإجابة على هذه الأسئلة تتطلب جرأة سياسية، وابتعادًا عن الشعارات التقليدية، نحو بناء استراتيجية واقعية تستند إلى القانون الدولي، وتستثمر في عناصر القوة الفلسطينية.



رابعًا: إعادة التوازن بين الحركة والسلطة وتعد أحد أبرز مواطن الخلل تمثّل في اختلال العلاقة بين “فتح” والسلطة، حيث طغى البعد الإداري على الدور التحرري للحركة. وهذا الاختلال أضعف حضورها الثوري، وأفقدها جزءًا من مشروعيتها النضالية.



إن إعادة التوازن تقتضي: الفصل الوظيفي بين مؤسسات الحركة وأجهزة السلطة. تعزيز استقلالية القرار التنظيمي.

إعادة الاعتبار للحركة كمرجعية سياسية عليا تقود المشروع الوطني.فبقاء الحركة أسيرة للسلطة يعني تقييد دورها التاريخي، في وقت تحتاج فيه القضية الفلسطينية إلى قيادة تحررية قادرة على المبادرة لا الاكتفاء بإدارة الأزمة.

خامسًا: الانتقال الديمقراطي مسؤولية لا تقبل التأجيل

تشهد الساحة الفلسطينية مرحلة حساسة على صعيد القيادة، ما يفرض ضرورة تأمين انتقال ديمقراطي سلس، يستند إلى الشرعية الشعبية وصندوق الاقتراع، بعيدًا عن منطق التوافقات المغلقة أو فرض الأمر الواقع.

إن ضمان تداول السلطة وفق الأطر القانونية يشكل صمام أمان للنظام السياسي، ويحول دون الانزلاق إلى الفوضى أو التدخلات الخارجية، ويعيد ثقة المواطن بالمؤسسات الوطنية.

سادسًا: الشراكة الوطنية واستعادة وحدة النظام السياسي

لا يمكن لحركة “فتح” أن تنجح بمعزل عن بقية مكونات الحركة الوطنية. فاستعادة المشروع الوطني تمر حتمًا عبر:

تفعيل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية. إنهاء الانقسام واستعادة وحدة الجغرافيا السياسية. بناء جبهة وطنية عريضة قادرة على مواجهة التحديات. كما أن تمكين الشباب والمرأة، وتفعيل دور النقابات والمجتمع المدني، يشكل ركيزة أساسية لأي مشروع وطني حديث.

سابعًا: من الفئوية إلى المؤسسية

لقد آن الأوان لطيّ صفحة الاصطفافات الداخلية، والانتقال إلى بناء مؤسسة تنظيمية حديثة، تقوم على الكفاءة والمساءلة والشفافية. فالتحديات التي تواجه القضية الفلسطينية لا يمكن التصدي لها بعقلية الفصائلية الضيقة، بل تتطلب نموذجًا مؤسسيًا متماسكًا.

ونختم بالقول ؟؟؟ بين فرصة الإنقاذ ومخاطر الانحدار

إن المؤتمر الثامن لحركة “فتح” ليس مجرد محطة تنظيمية، بل لحظة تاريخية فاصلة. فإما أن يكون بوابة حقيقية لإعادة بناء الحركة وتجديد المشروع الوطني، أو أن يتحول إلى فرصة ضائعة تُكرّس حالة التراجع والانقسام.

المسؤولية اليوم جسيمة، والتحديات غير مسبوقة، والشعب الفلسطيني الذي يواجه الاحتلال والحصار والاستهداف الوجودي، يستحق قيادة على مستوى تضحياته.

إنها لحظة قرار… إما الانحياز للإصلاح والتجديد والشراكة، أو ترك الفراغ يتسع بما يهدد مستقبل القضية برمّتها.

فهل يكون المؤتمر الثامن بداية استعادة “فتح” لدورها التاريخي كحركة تحرر وطني جامعة، أم محطة أخرى في مسار التآكل؟ الإجابة ليست في النصوص، بل في الإرادة السياسية… وفي شجاعة الفعل.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى