إبراهيم محمود - حرّروا "الوحش" من مستبديه

" دهوك " لم تنم البارحة! حتى ساعة متأخرة من الليل، كان هناك لعلعة أزيز الرصاص، هدير محركات الطائرات، المسيرات، أصوات انفجارات في الجوار وأبعد، كل ذلك كان يخترق صمت الليل المعهود والشاعري في سماء دهوك هذه التي أقيمُ فيها منذ قرابة عقد زمني ونصفه. استمراراً لصدمات النهار الصباحية، لكأن الذين توحَّموا " حربياً " يأبون حصر الصراع المتحول فضائياً فيما بينهم، في التعدي الحدودي.
ماالذي يمكن قوله في خرافة " الإنساني، الإنساني، القيم المثلى، الضمير الإنساني، الأخلاق"..إلخ.
لنمارس نوعاً من المسرح التاريخي- اللغوي، القيمي:
كبرنا كثيراً على مفردات، أو عبارات مغنّاة من نوع: يا واحشني، وحشتوني..وحشتوني، وحشْتني، مستوحش، معاناة الوحشة..كما في المفردات اليومية لدى الأخوة المصريين، وما يرادفها من صيغ هنا وهناك عربياً، تعبيراً عن الخطر المحدق بالإنسان، أو معاناته حين يكون بمفرده، بعيداً عمن يحب، أو أهله، إشهاراً للألم الذي يتملكه من الداخل، وتشهيراً بالوحش" في البرية "!
لنوقف مهزلة " الوحش، التوحش، المتوحش " التوحيش "..
ماالذي استدعى الوحش المأخوذ بطبيعته، وحدود غريزته، وتوحده مع بني نوعه، لأن " يُذَل " في منبته، أو بيئته، وفي تاريخه المحفوظ عن ظهر قلب " الطبيعة "؟ أي جُرم طبيعي ارتكبه المسمى بـ" الوحش " ليجري تلبيسه تهمة وإنزال العقاب القيمي فيه، وهو براء ..؟
الوحشة، تعني في أبسط مفهوم لها: شعور أحدنا أنه في عالم البرّية، حيث الحيوان" الوحشي "، تحوله إلى وحش. من أي جيء بكل ذلك؟
كيف قيّض لمثل هذه المفردة " الأطلسية " ذات التاريخ المديد والرهيب، لأن تشكل تعبيراً أقصوياً عما يمكن أن يبلغه " أحدنا كإنسان؟؟؟؟!!!! " في جنوحه وسفوره قيمياً، مفارقاً لإنسانيته الممدوحة والمزكاة كونياً، مستبداً في أهله أو بني جلدته وخارجاً، حتى فضائياً؟ كيف أجيزَ لها أن تكون النقيض لما عُرِفنا به مذ وجدنا أنفسنا سلالة " آدمية "، بما يميّزنا عن الحيوان، وخصوصاً" الوحشي " فيه ؟ ماالذي أبقاه واستبقاه إلى الآن؟ أليس لأن هناك خللاً مريعاً، وفظيعاً كامناً في بنيتنا العضوية والنفسية، دونه لا نعرف أنفسنا، وليس لكي نعرف أنفسنا بشراً، سلالة " خليفة " الكون بمرسوم إلهي؟!

يا للمفارقات الكبرى!
لأننا لم ندخر جهداً، ومنذ اللحظة الأولى في تكويننا البشري" الآدمي " أبوَّةً، في تعرية ما نكونه، وقد كنّاه قبل الهبوط الأرضي الميثولوجي، كان القتل "التدشين الأعظمي " لهذا المنعطف المعلوم والمسطور دفعة واحدة وإلى أجل غير مسمى . لهذا، كان لا من البحث عن لغة تصلنا ببعضنا بعضاً، وفيها وعبرها عن قيم تعزز تمايزنا عما هو حيواني" وحشي " وهو نوعي داخلنا عما هو منفصل عنا، ولا يمت إلينا بصلة، إلا قسرياً طبعاً:
أوجدنا قيماً لها صلة بأخوة البشر، لنغطّي على فظائعنا المرتكبة ضد الموسوم بالأخوة، حيث فعّلنا ونفعّل هذه الوحشية في التمزيق الدؤوب ضد هذه الأخوة، أبعد بكثير من مفهوم" قانون الغاب "
سعينا إلى اصطناع درجات في التراتبية فيما بيننا، وكل إساءة حوّلت في أصلها إلى الخارج" الوحشي "ليجري العمل على قدم وساق بما هو وحشي يتوقف علينا حصراً، وليس لذلك الكائن البري" اللاوحشي " بالتأكيد بأهوالنا البشرية ذاتية الصنع.
جهدنا أنفسنا كثيراً في وضع القوانين، ذات التوأم السماوي- الأرضي، أو بوصفها تنظيماً لعلاقاتنا ، ليس لنحسن التعايش وبناء الحياة نموذجياً، وإنما لنطلق سراح دفعة جديدة تكاثرت بعدواها المهلكة والمؤلمة، مما هو صادم، وما في ذلك من إساءة إلى الطبيعة عينها.
تحدثنا في الأديان كثيراً، وشددنا على السماوي فيها، لنمنح أنفسنا نحن المأخوذون بنِعَم السماويات، قيمة اعتبارية استثنائية، ولكن لا السماء سلمت منا، ولا الأرض سلمت منا، فباسمها، وبشرعنة منها، وفي صلب " ديننا الحنيف " نفسه، أريق من الدماء، ولا يزال يراق، ما لم يفعله" وحشي " خارجي في وحشي نظير له، أو ما يعتبر في عداد " فرائسه/ طرائده "، فما جنينا به على أنفسنا بينياً، وما جنيناه في حصاد قيمنا المختومة بما هو سماوي، لا يقارن البتة بما تقدَّم، أي تعبيراً عن عتوّنا، واستمراراً في عنفنا الدموي " المبرمج ".
وباسم اللغة التي تسمّينا في تنويعاتها، ابتدعنا مصطلحات، أو مفاهيم، تظهِر مدى اجتهادنا، ونحن نوغل في دماء بعضنا بعضاً، وفي بلبلة الطبيعة، وليس بلبلتنا التي لم نعتدها فقط، وإنما أسسنا لها، كما هي " خرافة " ألسنة بابل " تعظيمناً كارثياً لاقتتالنا" الوحشي " خاصتنا.
وبذلنا الغالي والرخيص، في خلق أرضية تحمل إمضاءاتنا البشرية، أي عارنا البشري" الآدمي " الذكوري، في سياق الثقافات وما يُرفَق بها من أسماء ومسمياتـ، من مؤسسات ومراكز، وتنظيمات، ومناسبات وندوات ومهرجانات، وألقاب وجوائز وخلافها،وفي الصميم ننمّي وحشنا الجمعي في الذين يرون أنفسهم بشراً مميزين، وباسم البشر اللامميزين يمارسون إبادات جماعية، وحروباً طرفية أو جماعية أو دولية، عبر القارات، والحدود، وعبر مسافات بعيدة جداً، كما نشهد اليوم، ومنذ أكثر من شهر، حيث الزمن لا يُحسَب كما هي الساعة، إنما هي فظاعة الكارثة/ المحنة، وصنّاعها الدوليين، القارين، إشعاراً بنسب وحشي يتوقف عليهم دون غيرهم .
وباسم البدع التقنية، باسم السعادة المزعومة، في الصميم، تتفاقم الوحشيات التي تسمّينا، أي: تسمّي هؤلاء الذين قطعوا شوطاً بعيداً جداً، في إظهار مدى قباحة الحياة المرسومة والمدشنة من قبلهم، وبؤس الإلهي، وبئس القيمي، وسخف المنشود إنسانياً.
كيف يمكن مواجهة الوحشي فينا، وتحرير الوحش الآخر المغاير لنا، ليعلّمنا ويخبرنا أننا نحتاج إلى الكثير الكثير، لنكون أهلاً لأن نكون وحوشاً، لحظة المقارنة، رغم أننا نفتقر إلى الأنياب والمخالب، ولكن المصنّع للقتل والفتك والترويع والدمار والمآسي، أي هندسة دماغية قادرة على إبراز ما يقابل هذه المخالب والأنياب، لنباشر ولادة غير مسبوقة، بحضور إشراف " وحشي " في الخارج؟!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى