سمير لوبه - أحمد أفندي عبد الباقي...

الساعة تشير إلى السادسة صباحًا حي بحري يستيقظ ورائحة البحر تتسلل إلى الأزقة الضيقة ممزوجة برائحة الخبز الطازج من أفران الفقراء، أحمد أفندي عبد الباقي يجلس كعادته على كرسيه الخشبي أمام باب بيته العتيق في شارع الناضوري يتأمل البحر من بعيد ويمسح نظارته السميكة بمنديله الأبيض قبل أن يعيدها إلى عينيه ويهمس لنفسه:
- كل شيء يتغير إلا البحر.
في شبابه كان موظفًا حكوميًا في صحة البلدية يدون أسماء المواليد والوفيات بحبره الأسود الدقيق، يومه غير حافلٍ بالمفاجآت، يجد متعةً خفية في النظام والروتين، عاش حياته كلها في حي بحري يشهد تقلباته السياسية والاجتماعية بدايةً من الحرب العالمية الأولى مرورًا بثورة 1919 حين كان شابًا يافعًا يصرخ مع الحشود في حي القناصل وحتى نكسة 1967 حين ألقى نظرة طويلة على البحر وتنهد بحزنٍ لم يفهمه أحد، في شبابه كان وسيمًا مستقيماً في مشيته يرتدي الطربوش كما يليق بالموظفين المحترمين لم يتزوج قط كان يقول:
- الحياة الزوجية تحتاج إلى قلب فارغ وقلبي مزدحم .
ومع ذلك لم يكن وحيدًا فالجميع يعرفونه من بائع الفول وبائع الجرائد وجابر القهوجي إلى الصياد العجوز، والأطفال ينادونه " يا أفندي" بلهجةٍ كلها محبة ، لأحمد أفندي طقس لا يتغير ففي كل صباح يذهب إلى المقهى يطلب كوبًا من الشاي الثقيل ويقرأ الجريدة من أولها إلى أخرها وفي المساء يعود إلى بيته يفتح صندوقًا خشبيًا صغيرًا يخرج منه رسائل قديمة صفراء يقرأها ثم يعيدها إلى مكانها وكأنها جزء من صلواته اليومية.
ذات يوم في شتاء عام 1980 لم يفتح أحمد أفندي بابه كعادته ظلت الصحيفة التي وضعها بائع الجرائد موضوعة عند العتبة وكوب الشاي في المقهى بقي باردًا دون أن يلمسه أحد، شعر أهل الحي بشيءٍ غير مألوف فطرقوا بابه مرارًا ولم يجبهم أحد، أخيرًا كسروا الباب ليجدوه جالسًا على كرسيه نظارته في يده وعيناه مغلقتان بهدوء كمن غرق في حلم عميق، لكن المفاجأة عندما فتح أحد الجيران الصندوق الخشبي ليجد بداخله رسائل حب من امرأة تُدعى "ليلى" تعود إلى عام 1935، كتب لها ولم يرسل، عاش عمره كله بين سطور الرسائل ثم رحل دون أن يخبر أحدًا عن السر الذي أخفاه عمرًا كاملًا، في اليوم التالي انتشرت الحكاية في الحي، تساءل الجميع: من تكون ليلى؟! وأين هي الآن؟ لكن لم يكن هناك أحد ليجيب، بينما البحر وحده يعرف القصة كاملة وظل صامتًا كعادته.


___________________
الصورة جزء من لوحة للفنانة التشكيلية سالي الزيني
من المجموعة القصصية #أنثى_مثل_حبة_التوت

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...