لم أكن أعرف أن الفراق جرحٌ بهذا العمق.
كنت أظن أن الوداع كلمة عابرة، لحظة قصيرة تمرّ مثل غيمةٍ صيفية ثم تمضي، لكن حين تركتك ورحلت… اكتشفت أن الفراق ليس لحظة، بل حياة كاملة تُقتطع من القلب دفعةً واحدة.
حين غادرتك لم أتركك وحدك…
تركت معك عمرًا كاملًا: ضحكاتي التي كانت تخرج من قلبي بلا حساب، دموعي التي كنت تخبئها في راحتيك، ابتساماتي الصغيرة التي كانت تزهر كلما ناديت اسمي، وأحلامي الوردية التي كنا نرسمها معًا كطفلين يخططان لعالم لا يعرف الخيبة.
ستة أعوام من الحب والصداقة والإخلاص كانت بالنسبة لي وطنًا كاملًا… ثم فجأة صار الوطن ذكرى.
سافرت بعيدًا… بعيدًا جدًا.
تركت مدينتي والشوارع التي كانت تحفظ خطانا، وتركت المقاهي التي شهدت حكاياتنا الطويلة. ارتميت في أحضان الغربة كمن يلقي نفسه في بحرٍ مظلم، لا لأنه يحب البحر… بل لأنه لم يعد يجد اليابسة.
أغلقت دفاتري وأطفأت هاتفي وقطعت كل الطرق التي قد تقودني إليك. كنت أظن أن الغربة ملاذٌ لأوجاعي، وأن المسافات الطويلة قادرة على إسكات القلب… لكن القلب عنيد؛ لا يعرف الجغرافيا، ولا يعترف بالمسافات.
كنت أسمع عنك من بعيد.
أقرأ كلماتك التي تكتبها وكأنك تخاطبني دون أن تذكر اسمي. أراك في الصور، وفي الحكايات التي تصلني صدفة، وأراك أيضًا في وجوه العابرين الذين يشبهونك قليلًا.
كنت أعرف أنك تبحث عني… وأنك تحترق.
لكن العهد الذي أخذته على نفسي قيّدني. لم أستطع أن أعود… ولم أستطع أن أنسى.
لم تكن الغربة وحدها ثقيلة، ولا تلك المدينة الواسعة التي اتسعت لكل أوجاعي. كنت أرى القاهرة هناك بين شوارع المدينة البعيدة، مثلما كنت أراك هنا في كل زاوية من ذاكرتي. كانت المدن تتشابه حين يوجعنا الحنين.
كنت أعرف أنك تبحث عني هناك… وأنا أيضًا كنت أبحث عنك، لكن وسط الزحام.
الغريب أن عينيك لم تتركني لحظة. كنت أهرب منك… إليك، وأهرب إليك… منك.
كنت أراقبك من بعيد بصمت موجع، وقلبي يخفق بقوة كلما سمعت صوتك أو قرأت اسمك على شاشة الهاتف. كنت أقول في سري: عاقبني حين تراني أو تسمع عني… افعل ما تشاء من العتاب، وأنا سأغمض عينيّ وأتقبل العقوبة كقدري.
لكن العقوبة الحقيقية لم تكن في كلامك…
كانت في صمتي أنا.
جلست مراتٍ كثيرة على مكتبي أبكي بحرقة كلما قرأت رسائلك التي لم أجب عنها. كنت أقرأها مرة… مرتين… عشر مرات، ثم أضع الهاتف جانبًا كأنني أخاف من صوتي لو خرج إليك.
كنت أشعر أن قلبي يتمزق ببطء…
كنت السجن والسجّان في آنٍ واحد.
فالقانون لا يحكم بالدموع… بل بالأدلة.
ودليلي الوحيد كان الحب… والحب في بعض الأحيان لا يكفي.
كانت الشاشة بالنسبة لي كالسجّان الذي يسير خلف السجين، يرسم على وجهه ابتسامة باردة بينما القسوة تسكن عينيه. كانت ابتسامته توجع قلبي؛ لم تكن ابتسامة عادية، بل ابتسامة شيطانية مشبعة بالرضا، كأنه حقق انتصارًا عظيمًا.
كنت أحدّق في تلك الشاشة طويلًا، وكأنها نافذة ضيقة تطل على عالمك… عالم لم أعد جزءًا منه إلا كظلٍ عابر.
وسط الغرفة كانت أنفاسي تتسارع، وقلبي يخفق بعنف كأنه سيخرج من صدري. عندها فقط عرفت أنني أحبك… وأن بعض المشاعر لا تأتي على شكل صراخ أو بكاء، بل تأتي على هيئة هدوءٍ مخيف يغمر كل شيء.
هدوء يجعلك ترتب فوضى غرفتك، وتصنع كوب قهوتك، وتقرأ كتابك المفضل، بينما يمر قطار الذكريات من أمامك دون أن تلتفت إليه. إنه هدوء من تيقّن أخيرًا أن المحاولات قد انتهت، وأن أوان الصمت قد حان.
غيرتي عليكِ…
جعلتني في كل مرة أخرج صورتكِ كطالبٍ مرتبك يُخرج ورقة الغشّ في قاعة امتحانٍ صامتة.
كنت أفعل ذلك بخوفٍ غريب، كأنني أخشى أن يراني أحد متلبسًا بكِ.
شعرت بالخيبة.
ارتديت قميصي الأزرق وخرجت تحت المطر.
سرت قرابة الساعتين لا أعرف إلى أين. كانت الشوارع تتسع أمامي كأن المدينة نفسها تبتعد عني خطوةً خطوة.
جاع جسدي للراحة، فارتميت على كرسيٍ مبتل في حديقة عمومية.
جلست هناك والمطر يهطل بغزارة، كأنه يحاول أن يغسل كل ما تبقى منك في ذاكرتي.
كنت أنظر نحو كُمّ القميص الأزرق وأشدّه نحو السماء الرمادية، وكأنني أمد يدي لشيءٍ لم يعد موجودًا.
كان يمكن للشمس أن تولد بطريقة سوريالية لو أن السماء أرادت قليلًا من الرحمة…
لكنني رحت أبكي.
لم يكن بكاءً عاديًا، بل بكاء رجلٍ اكتشف متأخرًا أن القلب لا يتعلم الحكمة إلا بعد أن يخسر ما يحب.
جلست طويلًا هناك حتى هدأ المطر قليلًا، وبقيت أحدّق في البرك الصغيرة التي رسمها الماء على الأرض. في كل بركة كنت أرى وجهك يمر كذكرى عابرة، ثم يختفي مع ارتعاش السطح.
أدركت حينها أن المدن لا تحفظ العشاق طويلًا، وأن الحكايات التي لا تجد شجاعتها تنتهي دائمًا على مقعدٍ بارد في حديقةٍ مهجورة.
نهضت أخيرًا، مسحت وجهي بكمّ القميص الأزرق، وأعدت صورتك إلى جيبي…
ليس لأنني نسيتك،
بل لأنني فهمت أخيرًا أن بعض الوجوه لا تُعلّق على الجدران…
بل تُترك…
لتعيش بصمتٍ
داخل القلب.
كنت أظن أن الوداع كلمة عابرة، لحظة قصيرة تمرّ مثل غيمةٍ صيفية ثم تمضي، لكن حين تركتك ورحلت… اكتشفت أن الفراق ليس لحظة، بل حياة كاملة تُقتطع من القلب دفعةً واحدة.
حين غادرتك لم أتركك وحدك…
تركت معك عمرًا كاملًا: ضحكاتي التي كانت تخرج من قلبي بلا حساب، دموعي التي كنت تخبئها في راحتيك، ابتساماتي الصغيرة التي كانت تزهر كلما ناديت اسمي، وأحلامي الوردية التي كنا نرسمها معًا كطفلين يخططان لعالم لا يعرف الخيبة.
ستة أعوام من الحب والصداقة والإخلاص كانت بالنسبة لي وطنًا كاملًا… ثم فجأة صار الوطن ذكرى.
سافرت بعيدًا… بعيدًا جدًا.
تركت مدينتي والشوارع التي كانت تحفظ خطانا، وتركت المقاهي التي شهدت حكاياتنا الطويلة. ارتميت في أحضان الغربة كمن يلقي نفسه في بحرٍ مظلم، لا لأنه يحب البحر… بل لأنه لم يعد يجد اليابسة.
أغلقت دفاتري وأطفأت هاتفي وقطعت كل الطرق التي قد تقودني إليك. كنت أظن أن الغربة ملاذٌ لأوجاعي، وأن المسافات الطويلة قادرة على إسكات القلب… لكن القلب عنيد؛ لا يعرف الجغرافيا، ولا يعترف بالمسافات.
كنت أسمع عنك من بعيد.
أقرأ كلماتك التي تكتبها وكأنك تخاطبني دون أن تذكر اسمي. أراك في الصور، وفي الحكايات التي تصلني صدفة، وأراك أيضًا في وجوه العابرين الذين يشبهونك قليلًا.
كنت أعرف أنك تبحث عني… وأنك تحترق.
لكن العهد الذي أخذته على نفسي قيّدني. لم أستطع أن أعود… ولم أستطع أن أنسى.
لم تكن الغربة وحدها ثقيلة، ولا تلك المدينة الواسعة التي اتسعت لكل أوجاعي. كنت أرى القاهرة هناك بين شوارع المدينة البعيدة، مثلما كنت أراك هنا في كل زاوية من ذاكرتي. كانت المدن تتشابه حين يوجعنا الحنين.
كنت أعرف أنك تبحث عني هناك… وأنا أيضًا كنت أبحث عنك، لكن وسط الزحام.
الغريب أن عينيك لم تتركني لحظة. كنت أهرب منك… إليك، وأهرب إليك… منك.
كنت أراقبك من بعيد بصمت موجع، وقلبي يخفق بقوة كلما سمعت صوتك أو قرأت اسمك على شاشة الهاتف. كنت أقول في سري: عاقبني حين تراني أو تسمع عني… افعل ما تشاء من العتاب، وأنا سأغمض عينيّ وأتقبل العقوبة كقدري.
لكن العقوبة الحقيقية لم تكن في كلامك…
كانت في صمتي أنا.
جلست مراتٍ كثيرة على مكتبي أبكي بحرقة كلما قرأت رسائلك التي لم أجب عنها. كنت أقرأها مرة… مرتين… عشر مرات، ثم أضع الهاتف جانبًا كأنني أخاف من صوتي لو خرج إليك.
كنت أشعر أن قلبي يتمزق ببطء…
كنت السجن والسجّان في آنٍ واحد.
فالقانون لا يحكم بالدموع… بل بالأدلة.
ودليلي الوحيد كان الحب… والحب في بعض الأحيان لا يكفي.
كانت الشاشة بالنسبة لي كالسجّان الذي يسير خلف السجين، يرسم على وجهه ابتسامة باردة بينما القسوة تسكن عينيه. كانت ابتسامته توجع قلبي؛ لم تكن ابتسامة عادية، بل ابتسامة شيطانية مشبعة بالرضا، كأنه حقق انتصارًا عظيمًا.
كنت أحدّق في تلك الشاشة طويلًا، وكأنها نافذة ضيقة تطل على عالمك… عالم لم أعد جزءًا منه إلا كظلٍ عابر.
وسط الغرفة كانت أنفاسي تتسارع، وقلبي يخفق بعنف كأنه سيخرج من صدري. عندها فقط عرفت أنني أحبك… وأن بعض المشاعر لا تأتي على شكل صراخ أو بكاء، بل تأتي على هيئة هدوءٍ مخيف يغمر كل شيء.
هدوء يجعلك ترتب فوضى غرفتك، وتصنع كوب قهوتك، وتقرأ كتابك المفضل، بينما يمر قطار الذكريات من أمامك دون أن تلتفت إليه. إنه هدوء من تيقّن أخيرًا أن المحاولات قد انتهت، وأن أوان الصمت قد حان.
غيرتي عليكِ…
جعلتني في كل مرة أخرج صورتكِ كطالبٍ مرتبك يُخرج ورقة الغشّ في قاعة امتحانٍ صامتة.
كنت أفعل ذلك بخوفٍ غريب، كأنني أخشى أن يراني أحد متلبسًا بكِ.
شعرت بالخيبة.
ارتديت قميصي الأزرق وخرجت تحت المطر.
سرت قرابة الساعتين لا أعرف إلى أين. كانت الشوارع تتسع أمامي كأن المدينة نفسها تبتعد عني خطوةً خطوة.
جاع جسدي للراحة، فارتميت على كرسيٍ مبتل في حديقة عمومية.
جلست هناك والمطر يهطل بغزارة، كأنه يحاول أن يغسل كل ما تبقى منك في ذاكرتي.
كنت أنظر نحو كُمّ القميص الأزرق وأشدّه نحو السماء الرمادية، وكأنني أمد يدي لشيءٍ لم يعد موجودًا.
كان يمكن للشمس أن تولد بطريقة سوريالية لو أن السماء أرادت قليلًا من الرحمة…
لكنني رحت أبكي.
لم يكن بكاءً عاديًا، بل بكاء رجلٍ اكتشف متأخرًا أن القلب لا يتعلم الحكمة إلا بعد أن يخسر ما يحب.
جلست طويلًا هناك حتى هدأ المطر قليلًا، وبقيت أحدّق في البرك الصغيرة التي رسمها الماء على الأرض. في كل بركة كنت أرى وجهك يمر كذكرى عابرة، ثم يختفي مع ارتعاش السطح.
أدركت حينها أن المدن لا تحفظ العشاق طويلًا، وأن الحكايات التي لا تجد شجاعتها تنتهي دائمًا على مقعدٍ بارد في حديقةٍ مهجورة.
نهضت أخيرًا، مسحت وجهي بكمّ القميص الأزرق، وأعدت صورتك إلى جيبي…
ليس لأنني نسيتك،
بل لأنني فهمت أخيرًا أن بعض الوجوه لا تُعلّق على الجدران…
بل تُترك…
لتعيش بصمتٍ
داخل القلب.