امتد بصري إلى أفق المكان، فصدمتني أعداد الكراسي الملونة قوائمها بقطيفة زرقاء وحمراء، وهياكلها المذهبة اللامعة التي أعلنت في صمتٍ عن انتهاء الحكاية. حينها ارتطمت ركبتي بالحصى، واختلط الغبار بدمعي، وغبتُ عن الوعي.
أفقت على الحقيقة: الرجل الذي أفنى عمره يزيح عنا غبار الأذى، ويمهد لنا السبل الوعرة، قد عبر الجسر وحيدًا. غادر دون أن يمنحني ذلك العناق الدافئ الذي كان تميمة يومي.
في الطريق القصير إلى البيت، استقبلني أحدهم بوجهٍ يكسوه التجهم: هذه هي الدنيا، ولا بقاء لأحد.
أذكر ذلك اليوم كأنه حدث قبل ساعة، كانت شمس الأربعاء، الحادي عشر من أبريل، تمسح الغبار عن أسرار البيت بنعومة وسكون لتشهد طقسه الأخير. استيقظ الأب بنشاطٍ غريب، كأنه ينفض عن كاهله غبار أربعين عامًا من الركض في دروب الحياة. وبيدٍ خبيرة في ترويض الفوضى، أعاد ترتيب مبعثرات البيت؛ بلمسةٍ منه، استعاد كل شيءٍ انضباطه الصارم، وكأنه فنان وضع اللمسات الأخيرة على لوحة الوداع.
تململتُ في فراشي، فجاءني صوته دافئًا: قم إلى طلابك لا تترك مقاعد العلم خاوية. أخبرته، وأنا أصارع ثقل الجسد، أن الوقت يداهمني، وأن عليّ المسارعة قبل أن تشتعل نزاعات طلاب هذا الجيل الذي لم يعد يعرف للحدود رسمًا.
لم تكن حلقة الدرس قد اكتمل عقدها حتى اخترق رنين الهاتف صمت المحراب: عُد فورًا؛ والدك في نوبة تعبٍ مباغتة.
غادرتُ الجمع، وفي منتصف الطريق، انهمر سيلٌ من الدموع لم أستطع مقاومته. تساءلتُ بقلبٍ يرتجف: "أهو المرض حقًا، أم أنها النداءات الأخيرة؟"
ربتت امرأة غريبة تجلس بجواري، على كتفي بكلماتٍ باهتة لا تصلح لرتق الفجوة التي اتسعت فجأة في جدار العالم:
مريض؟!
بهمس لا يكاد يسمع:
السكري.
بلامبالاة بما يستعر في داخلي:
- سيتحسن، تعاني أمي منه لأكثر من ثلاثين عامًا.
تتابعت المشاهد أمام عيني في تدفق شديد، أتجهم ثم أبتسم ثم أمسح دموعي، واستمر هذا الوضع المتقلب ما يقرب من ساعة.
تذكرتُ أحاديث الأسبوع الأخير؛ كيف استعرض أمامي شريط حياته الطويل، روى لي كيف رفض منح ضميره غفوة خاطفة، يتردد في أذني حديثه حين أجابه: خذ أموالك؛ فلن أتعذب لينعم غيري.
حكى لي: طرقت باب أقرب الزملاء فأدار لي ظهره.
وللمرة الأولى، آويت إلى جسد أبي؛ لأتعلم الدرس في صمت تام. لم أكن أبحث عن ابتسامته المعتادة، بل كنتُ أعدُّ جسده المتلألئ لرحلته الكبرى. رأيت جسده كمثل هالة من الضوء الأبيض. لم أندهش حين رأيت الابتسامة ترتسم على ثغره؛ لقد كان يبتسم لراحةٍ لم يتذوقها قط. ابتسمتُ في أسى من نفسي حين تذكرت غفواتي الطويلة، بينما كان هو يغالب قلقه في هزيع الليل الأخير. ها هو الآن يحس بالأمن بعدما زال الريب وحصل الانتباه.
شهدت جنازة مهيبة تقافزت خلالها النظرات اللامعة من أعين الناس. دارت الأرض بي. حاولتُ أن أمتثل لوصيته وأتناول الطعام، لكن مذاق الأشياء استحال علقمًا في حلقي. جافاني النوم طويلاً، حتى إذا تنفس الصبح أنفاسه الأولى، وجدتُ جسدي ينجذب نحو أريكته المهجورة. لا يزال إبريق الشاي في مكانه، والأكواب تحتاج إلى من يغسلها، وكذا الوسائد لم تجد من يرتّبها. تسللت رائحة عطره إلى قلبي؛ واستلقيتُ مكانه، محاطًا بعباءته التي رسمت حدود عالمي الجديد، قابضًا على مسبحته الخشبية ذات اللون البني التي تتحرك حباتها تلقائيًا مصحوبة بهمسه.
أحمد عبدالله إسماعيل
أبريل ٢٠٢٦
أفقت على الحقيقة: الرجل الذي أفنى عمره يزيح عنا غبار الأذى، ويمهد لنا السبل الوعرة، قد عبر الجسر وحيدًا. غادر دون أن يمنحني ذلك العناق الدافئ الذي كان تميمة يومي.
في الطريق القصير إلى البيت، استقبلني أحدهم بوجهٍ يكسوه التجهم: هذه هي الدنيا، ولا بقاء لأحد.
أذكر ذلك اليوم كأنه حدث قبل ساعة، كانت شمس الأربعاء، الحادي عشر من أبريل، تمسح الغبار عن أسرار البيت بنعومة وسكون لتشهد طقسه الأخير. استيقظ الأب بنشاطٍ غريب، كأنه ينفض عن كاهله غبار أربعين عامًا من الركض في دروب الحياة. وبيدٍ خبيرة في ترويض الفوضى، أعاد ترتيب مبعثرات البيت؛ بلمسةٍ منه، استعاد كل شيءٍ انضباطه الصارم، وكأنه فنان وضع اللمسات الأخيرة على لوحة الوداع.
تململتُ في فراشي، فجاءني صوته دافئًا: قم إلى طلابك لا تترك مقاعد العلم خاوية. أخبرته، وأنا أصارع ثقل الجسد، أن الوقت يداهمني، وأن عليّ المسارعة قبل أن تشتعل نزاعات طلاب هذا الجيل الذي لم يعد يعرف للحدود رسمًا.
لم تكن حلقة الدرس قد اكتمل عقدها حتى اخترق رنين الهاتف صمت المحراب: عُد فورًا؛ والدك في نوبة تعبٍ مباغتة.
غادرتُ الجمع، وفي منتصف الطريق، انهمر سيلٌ من الدموع لم أستطع مقاومته. تساءلتُ بقلبٍ يرتجف: "أهو المرض حقًا، أم أنها النداءات الأخيرة؟"
ربتت امرأة غريبة تجلس بجواري، على كتفي بكلماتٍ باهتة لا تصلح لرتق الفجوة التي اتسعت فجأة في جدار العالم:
مريض؟!
بهمس لا يكاد يسمع:
السكري.
بلامبالاة بما يستعر في داخلي:
- سيتحسن، تعاني أمي منه لأكثر من ثلاثين عامًا.
تتابعت المشاهد أمام عيني في تدفق شديد، أتجهم ثم أبتسم ثم أمسح دموعي، واستمر هذا الوضع المتقلب ما يقرب من ساعة.
تذكرتُ أحاديث الأسبوع الأخير؛ كيف استعرض أمامي شريط حياته الطويل، روى لي كيف رفض منح ضميره غفوة خاطفة، يتردد في أذني حديثه حين أجابه: خذ أموالك؛ فلن أتعذب لينعم غيري.
حكى لي: طرقت باب أقرب الزملاء فأدار لي ظهره.
وللمرة الأولى، آويت إلى جسد أبي؛ لأتعلم الدرس في صمت تام. لم أكن أبحث عن ابتسامته المعتادة، بل كنتُ أعدُّ جسده المتلألئ لرحلته الكبرى. رأيت جسده كمثل هالة من الضوء الأبيض. لم أندهش حين رأيت الابتسامة ترتسم على ثغره؛ لقد كان يبتسم لراحةٍ لم يتذوقها قط. ابتسمتُ في أسى من نفسي حين تذكرت غفواتي الطويلة، بينما كان هو يغالب قلقه في هزيع الليل الأخير. ها هو الآن يحس بالأمن بعدما زال الريب وحصل الانتباه.
شهدت جنازة مهيبة تقافزت خلالها النظرات اللامعة من أعين الناس. دارت الأرض بي. حاولتُ أن أمتثل لوصيته وأتناول الطعام، لكن مذاق الأشياء استحال علقمًا في حلقي. جافاني النوم طويلاً، حتى إذا تنفس الصبح أنفاسه الأولى، وجدتُ جسدي ينجذب نحو أريكته المهجورة. لا يزال إبريق الشاي في مكانه، والأكواب تحتاج إلى من يغسلها، وكذا الوسائد لم تجد من يرتّبها. تسللت رائحة عطره إلى قلبي؛ واستلقيتُ مكانه، محاطًا بعباءته التي رسمت حدود عالمي الجديد، قابضًا على مسبحته الخشبية ذات اللون البني التي تتحرك حباتها تلقائيًا مصحوبة بهمسه.
أحمد عبدالله إسماعيل
أبريل ٢٠٢٦