بهاء المري - قلب زَينب...

ما بين هدير الطابور وضجيج الفصول، كانت تمرُّ أمامهُ حاملة دفاترها في يد، وفي الأخرى قلبًا لا يريد أن يَفلِت. لم يكن يراها، بل كان يقرأها. رآها كما تُرى المدن القديمة عند الغروب: بهيّة بلا تباهٍ، خفيّة بلا مُواربة. فيها شيءٌ من أمِّه، وصدقٌ لا يعرفه إلا مَن نشأ في الجنوب، وصوتٌ يرتجف منه الخجل لا الضعف.
حين التقت عيونهما، أحسَّ أنَّ الضوء التفت إليهما وحدهما، كأن الزمن انحنى ليشهد حكاية على وشك البدء. لم يكن مجرد إعجابٍ مرَّ كريح الصيف، بل شيء يشبه الحنين حين يجد أخيرًا عنوانه. تسلل إليه كالماء حين يصل جذورًا ظنّت العطش قدَرها.
كان خجلها حين تتحدث كستارة من سَحاب تحجبُ نورًا لا يغيب، تهدهد الكلمات كما تفعل السنابل في حَضرة الريح، فيها أثرٌ لنساء الجنوب اللاتي يخفين رقَّتهن تحت عباءة الكبرياء.
لعل ما جذبه حقًا أنها لم تبتسم لتُعجِب، ولم تُحسِن القول لتنال رضا أحد، بل تتكلم كما يُنقَش الحرفُ على الحَجر: بصدقٍ لا يجرح، وبأناقةٍ لا تُخجل. تذكّر كيف سألها عن أسيوط، لمَّا عرف أنها من الصعيد، فرفعت عينيها وقالت كأنها تفتح بابًا من الحنين: "الجنوب ليس مكانًا، بل وجعٌ جميل لا يُفارق القلب."
منذ ذلك اليوم، صار صوتها مأوى لذاكرته. وجد فيها ما حسِب أنه تلاشَى: دفءُ الأمّ، ونقاءُ الأرض، وتلك الكلمات التي كانت تهمسها له أمّه قديمًا: "الرجل لا تُضيء عينه، إلا حين يرى في امرأةٍ مرآةَ صِدقه." لكنه لم يقترب خشية أن تهرب الحقيقة إنْ كسَر الصمت، أو أنْ تنهار الصورة إنْ نطقَ بما لم يَحِن أوانه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...