إبراهيم محمود - الضعفاء كم أنتم أقوياء-نص



أيها الضعفاء
لا تقولوا عن أنكم ضعفاء
حافظوا على ضعفكم الصريح
لا تخجلوا من عريكم في الهواء الطلق
على ضفاف نهر يكسوكم بفسيفساء خريره السلس
دعوا ضعفكم كما هو في وضح النهار
ولو لبعض الوقت
تجاهلوا حركة المرور
لبعض الوقت
لا تفكروا في دورة الأرض
لبعض الوقت
لا تنظروا إلى السماء
لبعض الوقت
ثبّتوا أنظاركم أمامكم
تصنّعوا العمى
لبعض الوقت
سوف يهابكم من يزعمون أنهم أقوياء
من يزعمون أنهم مالكو مصائركم
سيدركون سريعاً
أنكم أقوياء استثنائيون
أن حركة المرور
تستمد حكمتها من دمكم النقي
أن الأرض لا تدور
بإمرة أي منهم
أنتم من تشكلون عقرب ساعتها الطبيعي
أن السماء لا تظللهم
وكما يشتهون
إنما تكون عالية
مسنودة إلى قواكم المختزنة
في دمائكم الحية
أن الطريق إلى المستقبل
يحمل إمضاءتكم
من دون علم منكم
حباً بكم

***
امتنعوا عن تناول الطعام
لبعض الوقت
رغم جوعكم
سوف يرتعد محتكروا القوة
خوفاً من الضعف الذي
يحاصرهم
وأنتم رابضون في مكانكم
لن يفيدهم طعامهم الكثير
لن تفيدهم أضواؤهم ذات الصلة بجشعهم
سوف يكتشفون سريعاً
كم أنتم أثرياء بأرواحكم
وسوف تعيدهم غفلتهم
إلى الواقع الذي يستنير بكم
حتى الإله نفسه سوف
يخصصكم
بظله الذي يستحيل حيازته
كما يشيع أذناب أولئك المتخمين بالوهم
***

سيروا بخطى ملؤها اليقين
لا فخاخ تنتظركم
لأن جيوبكم لا تبث روائح الدسم
الذي يلفت أنظار اللصوص
والنشالين
دعوا أيديكم مؤسبلة غافية بطفولية
أوراقاً موثوقة بأغصانها
لا طيش هواء يزحزها في امتدادها الأفقي
اعبروا الشارع وابتسامتكم تتقدمكم
لا مخالفة من شرطي مرور تسجَّل باسمكم
اقطعوا النهر الهادىء بأمان وافر
لن تقتنصكم تماسيحه
لأن أجسامكم تكفي حمولتكم
خالية من لحم وشحم يجذبانها
امضوا إلى أعماق الغابة الشجرية الوادعة
لا تخافوا من العليق
لأن ثيابكم منيعة لا تثير شهيته
ناموا في العراء إذا شئتم
سوف تنام الذئاب بجواركم
لأنكم لا تخفوا عداوة ضدها
على رنين جرس الصباح
هبّوا خفافاً
لأنكم أهْل، قبل أي كان، لشمس
لم يحتكروها يوماً
في ابتزاز طلًابها

***
وأنتم تشحنون أنفاسكم بالفضاء الرحب
أصدقاء كثيرون يحتفون بكم
بعيداً عن أي مصلحة جانبية
ارفعوا أيديكم ينتعش الهواء
العصافير تقدّر وداعة أصابكم
أمعنوا النظر في نبع الماء الذي يحتضن صور وجوهكم بزلاله
النبع له صلات حميمة مع صفاء سريرتكم
اسلكوا الطريق المفتوح بخاصرتيه العشبيتين
أرضية الطريق تحفظ بصمات أرجلكم الحافية السوية
لقرابتها بالمروج والنجوم التي تتثاءب طي نداوتها
اعبروا الجسر المنصوب دون خشية من تصدع
سيمكّنكم الجسر من عبوره
لأنه يعرف جيداً أنكم أهل للعبور
وأنه يبقى أكثر طمأنينة
بحفظم لوشائج القربى المكانية

***

حاولوا النوم
" ما استطعتم إليه سبيلاً "
ناموا وملء نومكم سكينة
أسرَّتكم ستشهد لكم برباطة جأشكم
وأنتم تنامون
وكأن شيئاً لم يكن
عيونكم مفتوحة على أرواحكم
وأرواحكم تستمد طاقتها من سكينتكم
الذين ينامون وسط أسيجة كاميرات مراقبة عالية الدقة
وهم يرسمون حدوداً لأنفاسكم
ونبضات قلوبكم
يستحيل عليهم النوم
في غرف نومهم العصرية
والحراس الموزعون في نقاط مدروسة
لا يمنحونهم الطمأنينة
وهم يراقبونكم
كيف تغمضون عيونكم
حيثما كنتم
كيف تهدهدون أيديكم على صدوركم
وتمدّون أرجلهم تمتص هواءها الكافي
وأنتم تتوسدون أحذيتكم بحنان
متناغمين مع روائح أجسامكم المفلترة
أو تتركونها على عتبات بيوتكم
تتنفس هواء ملطَّفاً
وتتركون أبواب بيوتكم مفتوحة لضوء القمر
ونفحات الهاء اللعوب
وتردد حفيف أوراق الشجر النشوانة
لا خوف لكم عليكم من عقوبات
في أرصدة مشفرة هنا وهناك
هي فقط أجسادكم التي تصادقتم معها
قلوبكم التي لا تبخل في النبض المطواع
عيونكم التي تريكم أحلاماً
تمضي بكم إلى الأعالي
تحرسكم برّية بكاملها
لا حرب تهددكم
لا أحد منكم مطلوب
في عملية تتم عن بعد
لأنكم منتصرون بعيداً عن أي جبهة حرب
أنتم براء من لوثتها داخلاً وخارجاً

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...