هدى حجاجى - بين هُنا وهُنا: مأساة لم تكتمل

المشهد الأول: الفستان الضيّق
فستانها الضيّق يضغط على كل لحظة من جسدها، لكنه يخلق مساحة واسعة للتعاسة.
كل خطوة تبدو صعبة، وكل حركة تكشف عن ألم لا يُرى إلا في صمت العيون.
كان العالم حولها هادئًا، لكن داخلها كان هناك صخب مستمر: صوت قلبها الذي يرفض أن يُطاع، وأنفاسها التي تكافح الهواء، وظلها الذي يلاحقها في كل زاوية.
تساءلت:
كيف نصوغ فكرة؟
كيف نزيّن وجعنا كي يكون مقبولًا للعالم؟
كيف نؤرخ ما لم نعيشه؟
وكيف نصدق ما لم نشهد؟
الفستان أصبح رمزًا لكل قيود الحياة، لكل الحكايات المبتورة، لكل صرخة لم تجد مسمعًا.
المشهد الثاني: الناي وفيروز

جلست على حافة الرصيف، أيديها على الناي، قلبها على شفير الانهيار.
"أعطني الناي يا فيروز… كيف أغنّي؟!"
الغناء لم يكن مجرد موسيقى، بل كان محاولة لترتيب الفوضى، لترجمة الألم إلى شكل يمكن للعالم سماعه.
كل نغمة، كل تنفّس، كان يسأل الحياة نفسها:
هل يمكن أن أجد الإجابات في الصوت؟
هل يمكن للحن أن يزيّن وجعي، أو يجعل العالم يصدق ما أشعر به؟
الناي صار مرآة الروح، وفيروز كانت صدى كل ما لم أستطع قوله.
حتى كل الصمت أصبح موسيقى، وكل دمعة لحنًا خفيًا.
المشهد الثالث: بين هُنا وهُنا

كانت تقف بين واقعها الملموس وذكريات لم تعشها، بين الأشياء التي فقدتها وتلك التي لم تصل إليها.
بين هُنا وهُنا، كان قلبها يسافر بلا جسد، ووجدت نفسها في حكاية لم تكتمل، صفحة لم تُكتب بعد، وجروح لم تُشفى.
كل شخص قابلته كان انعكاسًا لألمها: طفل يبكي على لعبة ضائعة، امرأة تبكي حبًا مات قبل أن يولد، رجل يصرخ بلا سبب.
كل صرخة، كل دمعة، كانت تضيف لونًا إلى فستانها الضيّق، وتجعل المساحة للتعاسة أكبر، لكنها أيضًا تجعلها أكثر حيوية، أكثر قدرة على الصمود.
المشهد الرابع: صرخة الغناء

جلست وحيدة، الأفق مسدود، لكن الصمت كان مليئًا بالأسئلة:
هل سأغني؟
هل سأجد الإجابات؟
هل سيعرف أحد الألم الحقيقي؟
ثم نفخت في الناي.
صوت غريب، ضعيف، لكنه بدأ يتحول إلى صرخة، صرخة تحمل كل شيء: الغياب، الفقد، الظلم، الحب الضائع، الحنين المستحيل.
الغناء صار جسدًا آخر لها، صار مكانًا تستطيع فيه أن تلتقي بنفسها، وصوتها، ووجعها، وذاكرة كل من لم يسمع.
المشهد الخامس: مأساة مستمرة

وفي النهاية، بين هُنا وهُنا، كانت تقف وحيدة.
حكايتها لم تكتمل.
الناي لم ينقطع، الفستان ما زال ضيقًا، والوجع مستمر.
لكنها تعلمت شيئًا:
المأساة ليست فقط في الألم، بل في القدرة على حمله، وفي محاولة جعله صادقًا، جميلًا، قابلًا للعيش.
بين هُنا وهُنا… حكاية لم تكتمل، لكنها صرخة حية، وجناح للحقيقة، ونور صغير في قلب الظلام.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...