مقتطف ھدى حجاجي - خرائط الغياب... الفصل الأول: على حافة القلب

الفصل الأول: على حافة القلب


قال لها:
في البال امرأةٌ ترقصُ على حافة القلب...
ابتسمت بخفة، وكأنها تستمع لنغمة لا يسمعها سواها. قالت بصوت متقطع بين الحلم واليقظة:
أنا لا أنامُ لأحلم، بل أسرقُ الليلَ من عينِ السهر، وأعجنُ من خوائكَ طفلاً يشبهُ شتاتي… ثم أُسمّيهِ أنت.
جلسا على أطراف مقهى صغير، قرب نافذة تهتز بها أشعة النيون على الأرصفة المبتلة بالمطر. الهواء كان يحمل رائحة الزنجبيل من مطعم صغير في الشارع، لكنها لم تشعر إلا بوزن كلماتها وكلمات الرجل.
كانت الكلمات تتسلل إلى القلب ببطء، تصنع خريطة خفية لم يسبق لهما أن سلكاها. شعرت بأن كل حرف يقول شيئًا أكبر من ذاته، شيء لا يمكن أن يُقاس بالزمن أو المكان، شيء يشبه أن تكون المرأة والرجل في نفس الوقت داخل حلم مشترك، لا يُستوعب إلا بصمت القلب.
حين التقت أعينهما، كان في النظر صمت طويل، صمتٌ يسبق الكلام، صمتٌ يحاكي الغياب قبل الحضور، صمتٌ يشبه الحزن الذي لم يولد بعد ولكنه موجود في كل خلية.
الفصل الثاني: طفل الغياب
أُرضِعهُ من قلقِي، وألفّهُ بخرائطِ غيابك. كلّما بكى، وضعتُ قلبي في فمه كي يصمت…
كبر الطفل سريعًا، لكنه لم يكن جسدًا حقيقيًا، بل شعورًا يركض في الأوردة كحريق يندلع بلا سبب واضح. صار اسمه "أنت"، ووجدت المرأة نفسها تصنعه من كل نقص في الحاضر، ومن كل فراغ في الليل، ومن كل لحظة لم يصل فيها الحبيب.
كانت تستيقظ في الصباح وتجد الطفل يصرخ باسم الحبيب في كل ركن من أركان قلبها، يركض في أوردتها، يختبئ في أطراف الحنين، ويجعلها تدرك أن هذا الطفل ليس سوى وجع حي، حبّ متحرك، وشوق جامح.
كنت أعتقد أن الحب سيمنحني راحة، قالت في نفسها، لكنه منحني طفلاً من غيابك، وجعًا يركض بلا توقف، وسرًّا لا أستطيع الإفصاح عنه.
كل ليلة كانت تستمع إلى صمت الطفل، تحاول تهدئته، تصنع له خرائط النجاة من الكلمات والصمت معًا، وتضع فيه كل مشاعرها، حتى أصبح الطفل رمزًا لكل ما يختبئ في قلبها من حب ووجع وفقدان، وكلما نما، نما معها شعورًا بالحياة والغياب في آن واحد.
الفصل الثالث: اللغة المستحيلة
قال لها:
أحبكِ بقدر ما عجز العاشقون عبر التاريخ عن التعبير عما في قلوبهم تجاه محبوباتهم!
ابتسمت ابتسامة حزينة، ثم قالت:
قلبي لا يفهم لغة التراجع. كلّما حاولتُ إنقاذه، اندفعَ نحوك أكثر. لقد صار قلبي خائناً لخطط هروبي ووفياً لجرحه فيك. يُسقِطُ خرائطَ النجاة ويحتفظُ بعنوانك.
كانت الكلمات تتساقط بينهما كحجارة صغيرة على نهر هادئ، تصنع دوائر تمتد إلى أعماق الروح.
في هذه المرحلة، صار كل منهما يعيش حبه بطريقة مزدوجة: في الخارج يبدو هادئًا، في الداخل حريق لا يهدأ. كان الرجل يراها ويعرف أن قلبها صار معقدًا، لكنه لا يستطيع التراجع، والمرأة تعلم أن كل خطوة نحو الهروب تزيدها قربًا منه.
الحب لغة مستحيلة، قالت في نفسها، لا يفسره العقل، لا يحدّه الزمان، ولا يقيده المكان. إنه شعور يعيش بين الحروف ويصنع من الغياب حضورًا، ومن الصمت صراخًا.
الفصل الرابع: الحريق والوجع
كانت الأشجار في الخارج ترقص في الريح، لكنها كانت تهب داخلهما كأنها حريق داخلي. كل لحظة حب كانت شعلة، وكل صمت كان وجعًا يتصاعد في الروح.
إنه الحب، قال لها، لكنه ليس كما تتصورينه. إنه وجع عنيد، صامت، لكنه حاضر في كل نفس، في كل خيط من خيوط حياتنا.
الطفل "أنت" أصبح رمزًا لكل شعور متناقض: حب، ألم، فرح، وحزن. كلما ركض داخل قلبها، شعرت بأنها تعيش كل الحب والفقدان في وقت واحد.
أحيانًا، قالت بصوت خافت، أظن أنني أستطيع أن أصنع من هذا الحريق حياة، أزرع في وجعه ورودًا، وأجعل من الألم سرًا جميلاً.
أصبحت الليالي الطويلة مليئة بالخرائط الصامتة، المرسومة على أوردة القلب، وكل شعور أصبح قطعة من الحريق، يضيء ولا يشتعل بالكامل إلا حين يكونان معًا.
الفصل الخامس: الخرائط والوداع
وفي النهاية، حين غابت الكلمات، ظل الغياب حاضرًا كخريطة بلا عنوان. الحب الكبير لم يختفِ، لكنه تحول إلى شيء آخر: حضور صامت، وجع جميل، ذكرى لا تموت.
قالت:
كل شيء في قلبي ما زال يحمل عنوانك، حتى لو ابتعدت، حتى لو رحلت. الحب هنا، دائمًا هنا، لكنه صار حريقًا لا يهدأ، خريطة لا تنتهي.
هكذا اختتمت القصة، كما تختتم الحياة بعض الأشياء: بصمت مؤثر، وبقلب محمّل بكل الحنين، وبوجع عنيد لا ينسى.

ھدى حجاجي احمد

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...