رانية المهدي - البئر...

قرون تمر، والأسطورة حيَّة تتناقلها الألسُن وترويها الجَدَّات؛ فيزيد الخوف في قلوب الكِبار ويتسلَّل الشَّغف لقلوب الصِّغار، وتنفتح طاقات الرَّغبة في تحقيق المستحيل، فالجميع يعلم أنَّ مَن يهبط البئر لا يعود، الكثيرون جربوا.. بعضهم اختفى وبعضهم ادعى البطولة دون دليل أو ثبوت.. ‹عُد مجنونًا أو مخادعًا›.

حتَّى جاء ذلك الصَّغير اليتيم ليقلب الموازين ويغيِّر الحكاية، عندما قرَّر أن يجرب حظه، لرُبَّما وجد إجابات لما يدور في عقله، أو ذكرى عن والده المفقود، وضع الخُطة وأعد العُدَّة، فَتَل مِن التِّيل حبلًا طويلًا، ثُمَّ أحكمه حول وسطه وعَقَد عُقدة، حمل زاده وزواده وودع جدته، ثُمَّ بدأ الرِّحلة.

خطوات تتبعها خطوات، النُّور يختفي وتزداد الظُّلمات، البرودة قاسية ورائحة العفن تحبس الأنفاس، رغم ذلك لم يتردَّد لحظة وواصل النُّزول، حتَّى وصل إلى القاع واستقر، دقائق قليلة ثُمَّ ظهرت أمامه ظلال تتحرك بحذر؛ فزاد القلق في قلبه وانتظر حتَّى تبيَّن الرُّؤية، وجدهم في أحد الأركان أكوام فوق أكوام، ظهور منحنية، ذيول متدلية، حوافر وقرون فوق الرُّؤُوس، تقدموا إليه بهدوء، ثُمَّ داروا حوله وتشمموه، نظر بعضهم إلى بعض وتملكهم العجب مِن جرأته، أخبروه أنَّه الوحيد منذ سنوات الذي قرَّر النُّزول، ثُمَّ أخبروه بالقانون الوحيد للبئر، القانون الذي يقول أنَّ الوافد الجديد أمامه خياران:
إما أنْ يصير مثلهم، أو يصبح وجبة لبطونهم؛ فابتسم الصَّغير بهدوء وثقة ثُمَّ أراهم حبله المحكم؛ فجن جنونهم وزادت الهمهمات السَّاخِطة، وانطلقت أسئلة بلا جواب:
أيمكنه النَّجاة؟!
وإذا نجا؛ فبالتأكيد ستُفضَح خيبتهم أمام العالم، هل سيصير قدوة؟
بينما تُلعن ذكراهم إلى الأبد.

فكان قرارهم القاطع وبلا تردد أن يتم فصله عن حبله؛ ليلقى مصيره مثلهم، وقبل أن ينفذوا القرار، جاءت المفاجأة مِن أعلى...
إذ سقط الحبل مقطوعًا؛ فعرفوا أنَّ أهل القرية هُم مَن حسموا الأمر؛ فلن يعود أحدًا أبدا.
بقلم رانية المهدي
من مجموعتي القصصية الأسماك يحكمون المدينة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...