رانية المهدي - الميراث...

أبي.. الرَّجُل الذي يُضرب به المثل في الطَّيِّبة والحنان.. مات.

أكتب كلماتي لتنشر في الجريدة وتقرأ مع شمس صباح الغد؛ الصَّباح الذي سيأتي دون وجوده على الأرض، لكنه سيظل حيًا في قلبي، أكتب عنه بيد مرتعشة، رُبَّما يتعلم أحد شيئًا مِن سيرته التي تستحق أن تُكتب بحروف مِن ذهب.

أغمض عينيه للمرة الأخيرة، سافر إلى عالم الرَّحمة والمحبة، أبو البنات الأُمي، الذي احترم العلم وحرص على تعليم بناته رغم ضيق ذات اليد واعتراض جدتي، تكرر دائمًا مقولتها المشهورة: «تعليم إيه! وهباب إيه! البِت ملهاش غير الجواز»، كان يبتسم ويقبل يديها دون أن يعير كلماتها أي اهتمام، رفض أن يتزوج بعد وفاة أمي؛ حتَّى لا يسمح لأحد أن يتحكم في بناته، واليوم.. رحل أبي وترك لنا شجرة المحبة التي لا تذبل أبدًا، وها أنا أكتب لكم عنه ودموعي تسبق الحروف، أكتب وأحاول أن أبتسم عندما أتذَكَّر جملته «مهما كان الهم غالب.. الابتسامة الحلوة تهده».

أكتب بعضًا مِن سيرته العَطِرة؛ لأضرب لكم المثل والقدوة، لأُخبر العالم كيف يجب أن يكون الأب، أكتب لأدحض تلك الفكرة العقيمة التي تقول: «فاقد الشيء لا يعطيه»؛ فقَدْ فَقَدَ أبي كل شيء، لكنه أعطى كل شيء.

أتذَكَّر أحاديثه الجميلة، الحكايات والأمثال التي كان يرويها بصوته العذب الدَّافئ ثُمَّ يتوقف فجأة، وتخترق أصابعه الخصلات البيضاء الكثيفة في منتصف رأسه ليقول: «لسه مكلكعة زي ما هي.. شكلها هتفضل لغاية ما أموت، شوفي كده يا نور.. حطي إيدك، هتحسي بيها علطول»، كنت أضع يدي فيعيد سرد الحكاية مِن جديد بنفس الأحاسيس ولمعة الدُّموع، ليعود مع الكلمات إلى ذلك الألم العالق في قلبه، وتلك الغصَّة التي لم تغادره أبدًا، يعود إلى ذلك اليوم البعيد، يعود طفلًا صغيرًا في العاشرة من عمره، عندما رجع إلى قريته وقت الظَّهيرة بعد شهر من العمل في القرى المجاورة -لجمع لُطَع القطن- وجد داره مكتظة بالنَّاس وأمه ترتدي السَّواد، تضع طين الأرض على رأسها، تنعى أباه الذي مات في عز شبابه، تَارِكُها وحيدة مع بناتها الخمس وابنها الوحيد بلا سند، لم يصدق أن والده رحل هكذا دون وداع؛ أنكر بشدة وأراد أن يقتحم ‹غرفة المندرة› التي تقام فيها طقوس الغُسل والتَّجهيز، لكن عمه أمسك به ونهره ودفعه خارجها بلا رحمة، فوقع على ظهره، لكنه صرخ فيهم بصوت عالٍ:

بتعملوا إيه في أبويا يا أولاد الكلب! أنا عايز أشوف أبويا، يا أَبا.. خليهم يدخلوني، يا أَبا.

أمسك به العم بقسوة أكبر وهزَّه بعنف قائلًا:

أبوك مات وأنت لازم تسترجل، فاهم! بطل عمايل العيال دي.. الرِّجالة ما بتعيطش.


استجمع أبي كل ما استطاع من قوة، شد نفسه ليفلت من قبضة عمه وهو يسبه بكل ألوان السُّباب التي يعرفها، ثُمَّ انحنى على الأرض ليجمع بعض حبات الحصى حتَّى ملأت كفه الصَّغير، ثُمَّ تسلق الجدار إلى سطح الدَّار، رفع أكوام القش وحزم الحطب لتظهر فتحة السَّقف الدَّائرية التي تطل على ‹غرفة المندرة›، نظر منها ورأى كل ما يحدث، أبوه نائم في سكون على طاولة ضخمة، وهذا الرَّجُل طويل اللِّحية يسكب عليه الماء في دفعات متتالية؛ فصرخ من جديد:

أَبا.. مالك يا أَبا؟ رد عليَّ يا أَبا.

رفع العم وجهه وصرخ:

يا ابن الكلب، هتعملنا فضيحة! انزل مِن عندك بدل ما أطلع أرقدك جنبه!


بدأ يقذف عمه ببعض الحصى؛ فخرج العم مسرعًا عازمًا على الانتقام، وعندما أمسك به رفع عصاه الغليظة وأنزلها بكل قوة على رأسه الصَّغير؛ فسالت الدِّماء بغزارة على وجهه وقبل أن يسقط ويرتطم بالأرض نظر لوجه أبيه مباشرةً فوجده يبتسم، ثُمَّ غاب عن الوعي.

مر ذلك اليوم بعد أن ترك أثرًا في رأسه يذكره دائما ولا يسمح له أن ينسى أبدًا.

ثُمَّ مرَّت الأيام والشهور، وتزوجت الأم من العم بحجة العادات والتَّقاليد، ولأنَّه الوحيد الذي سيساعدها في تربية أبنائها الأيتام.

بعد الزَّواج وضع العم حملًا فوق الحمل؛ الأم تحمل.. تلد.. تربي وتعمل باليومية، بينما هو جالس على المصطبة أمام الدَّار يدخن الشِّيشة ليل نهار، فلا أحد يضاهيه في نفخ الدُّخان.

مرَّت ثلاث سنوات، أصبح أبي في عامه الثَّالث عشر، كما أصبح هو المسؤول الحقيقي عن أمه وإخوته مِن أبيه وإخوته مِن عمه، هو الذي يعمل ويصرف بعد أن تفرغت أمه لتربية الصِّغار.

في يوم أغبر، نسيَّ أبي أن يحضر المعسل المخصوص الذي يفضله العم؛ فثار وماج.. أخذ يلعن ويسب كعادته، وعندما حاولت الأم تهدئة الأمور لتنقذ ابنها مِن بطش ذلك الجبار، طالتها اللَّكمات والكفوف بلا رحمة، كان يمكن أن يصمت أبي كعادته، لكنه لم يستطع أخذ يصرخ في عمه، أخبره أنَّه يعمل لأجل أمه وإخوته، ليس مِن أجل طعامه ودخانه الذي ينفثه ليل نهار، كما أخبر أمه أن هذا الرَّجُل المدعو عمَّه قد باع الثَّلاثة قراريط التي تركها لهم والده، طلب منها أن تتركه ليستريحوا منه ومن شره.

لم يتحمل العم تلك الكلمات، سحب نبّوته الضَّخم وكاد أن ينزل به مرة أخرى على رأس أبي بلا رحمة، لكنه أمسك منه النَّبوت بقوة أظهرت ضعف العم أمامه؛ فترك النَّبوت مرغمًا وعاد للوراء وهو يصرخ في الأم:

ابنك كَبر عايز يمد إيده على عمه! أنا هروح الدُّكان أجيب المعسل، لو رجعت ولقيته في الدَّار هتكوني طالق بالتلاتة.

ترك الأم ترتعش.. تبكي وتلطم خديها، ثُمَّ اقتربت ببطء مِن ابنها وهي مكسورة وقالت:

سامحني يا بني ورحمة أبوك ما تزعل مني.

أخذها في حضنه ويهمس لها وهو يبتسم:

هرجع تاني يا أَمَّا، ما تخافيش خلي بالك أنتِ مِن إخواتي، هبعت لكِ مصاريفهم.

ثُمَّ قبَّل رأسها وانصرف، ليبدأ حياة جديدة رغم الصُّعوبات الكثيرة والعثرات التي لا حد لها، قرَّر أنْ تكون له أسرة، يكون فيها الأب الحنون صاحب الابتسامة الطَّيِّبة التي ورثها عن أبيه الطَّيِّب، وورَّثها لبناته.

اليوم مات أبي وترك لنا ميراث عظيم يزهر في قلوبنا للأبد، علمنا جملته المشهورة «مهما كان الهم غالب.. الابتسامة الحلوة تهده»، علمنا «أنَّ فاقد الشَّيء يعطيه وزيادة».


بقلم رانية المهدي
من مجموعتي القصصية الأسماك يحكمون المدينة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...