السلطة الفلسطينية بين حصار المقاصة وتآكل الوظيفة: نحو انفجار اجتماعي أم إعادة تعريف للدور؟
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
لم تعد الأزمة المالية التي تعصف بالسلطة الوطنية الفلسطينية أزمة عابرة يمكن احتواؤها بإجراءات ترقيعية أو حلول مؤقتة، بل تحوّلت إلى أزمة بنيوية عميقة تمس جوهر النظام السياسي ووظيفته، وتضع المجتمع الفلسطيني أمام مفترق طرق خطير، تتقاطع فيه الضغوط السياسية مع الاختناقات الاقتصادية، في ظل غياب أفق حقيقي للحل.
في قلب هذه الأزمة، يبرز استمرار حجز أموال المقاصة من قبل إسرائيل كأداة ضغط ممنهجة، تتجاوز البعد المالي لتشكّل رافعة سياسية لإعادة تشكيل السلوك الفلسطيني، وضبط إيقاعه وفق محددات الاحتلال. ومع اعتماد المالية الفلسطينية بشكل كبير على هذه الإيرادات، باتت السلطة رهينة لقرار خارجي، يفقدها القدرة على التخطيط المالي المستقل، ويضع مؤسساتها في حالة شلل تدريجي.
لكن الأخطر من ذلك، هو انعكاس هذه السياسات على الواقع الاجتماعي والمعيشي، حيث أصبح الموظف الفلسطيني—الذي كان يشكّل صمام أمان للاستقرار—في مواجهة انهيار تدريجي في قدرته على الصمود. فتقبيض الرواتب بمعدل لا يتجاوز نحو ألفي شيقل، في ظل غلاء فاحش وارتفاع غير مسبوق في تكاليف المعيشة، لم يعد يفي بالحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة، بل بات يدفع شريحة واسعة من الموظفين إلى دائرة العجز المالي، والاستدانة، والتآكل الاجتماعي.
إن هذا الواقع لا يمكن قراءته فقط كأزمة دخل، بل كتحول خطير في البنية الاجتماعية، حيث تتآكل الطبقة الوسطى، وتتسع فجوة الفقر، وتضعف القدرة الشرائية، ما ينعكس سلبًا على مجمل النشاط الاقتصادي. ومع تراجع الخدمات الأساسية—الصحية والاجتماعية—وتقليص الدوام في المؤسسات الحكومية، وتدني مستوى التعليم نتيجة الإضرابات ونقص الموارد، تتكامل عناصر أزمة مركبة تنذر بانفجار اجتماعي وشيك، قد يتجاوز في تداعياته البعد الاقتصادي ليطال الاستقرار العام.
ورغم التزام الحكومة الفلسطينية برئاسة محمد مصطفى بجملة من الشروط والإصلاحات التي فرضتها كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، إلا أن هذا الالتزام لم يُترجم إلى أي اختراق حقيقي، لا على المستوى المالي ولا السياسي. وهو ما يكشف عن خلل عميق في معادلة “الالتزام مقابل الدعم”، حيث يُطلب من السلطة تقديم تنازلات وإصلاحات، دون أن يقابل ذلك ضمانات فعلية للاستقرار أو تخفيف القيود المفروضة عليها.
إن الصمت الدولي إزاء هذا التدهور لا يمكن اعتباره حيادًا، بل هو تعبير عن مقاربة ترى في الاستقرار الأمني أولوية تتقدم على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للشعب الفلسطيني، ما يترك السلطة في مواجهة مفتوحة مع أزمتها، دون شبكة أمان حقيقية.
وفي ظل تضخم مديونية السلطة لتتجاوز خمسة عشر مليار دولار، تدخل المالية العامة مرحلة حرجة، تتسم بارتفاع الالتزامات مقابل تآكل الإيرادات، ما يهدد بانهيار تدريجي لقدرة المؤسسات على أداء وظائفها. ويُضاف إلى ذلك اهتزاز الثقة في النظام المالي، وتزايد الضغوط على القطاع المصرفي، وتنامي الاقتصاد غير الرسمي، بما يحمله من مخاطر بنيوية على المدى المتوسط والبعيد.
أمام هذا المشهد، تتصاعد الدعوات المطالبة باستقالة الحكومة، باعتبارها تعبيرًا عن حالة غضب وإحباط شعبي متزايد. غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته السياسية، يظل قاصرًا عن معالجة جوهر الأزمة، التي تتجاوز أداء الحكومة إلى طبيعة الإطار الذي تعمل ضمنه. فالمشكلة ليست في الأشخاص بقدر ما هي في القيود المفروضة على القرار السياسي والاقتصادي الفلسطيني.
وعليه، فإن أي تغيير حكومي، في غياب مراجعة استراتيجية شاملة للعلاقة مع إسرائيل، وإعادة تعريف الالتزامات الاقتصادية والسياسية، لن يكون سوى إعادة إنتاج للأزمة بأدوات مختلفة. فالحكومات تتغير، لكن القيود تبقى، ما لم يتم كسر الحلقة البنيوية التي تحكم هذا الواقع.
إن اللحظة الراهنة تفرض الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق إعادة بناء النموذج، عبر تبني استراتيجية وطنية شاملة تقوم على: تقليل الاعتماد على أموال المقاصة، وتعزيز الإيرادات الذاتية، وتفعيل أدوات الضغط القانوني والدبلوماسي دوليًا، وإجراء إصلاحات داخلية حقيقية تعيد الاعتبار لمفاهيم الشفافية والمساءلة والكفاءة.
وفي الخلاصة، فإن استمرار الوضع القائم، بكل ما يحمله من تآكل في الرواتب، وتدهور في الخدمات، وتصاعد في المديونية، ينذر بتحول الأزمة المالية إلى أزمة مجتمع، وربما إلى أزمة نظام سياسي بأكمله. وهو ما يتطلب قرارات جريئة تعيد تعريف وظيفة السلطة، ليس كجهاز إداري هش، بل كأداة صمود وطني قادرة على مواجهة الضغوط، واستعادة ثقة المواطن، ومنع الانزلاق نحو انفجار اجتماعي باتت ملامحه تلوح في الأفق.
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
لم تعد الأزمة المالية التي تعصف بالسلطة الوطنية الفلسطينية أزمة عابرة يمكن احتواؤها بإجراءات ترقيعية أو حلول مؤقتة، بل تحوّلت إلى أزمة بنيوية عميقة تمس جوهر النظام السياسي ووظيفته، وتضع المجتمع الفلسطيني أمام مفترق طرق خطير، تتقاطع فيه الضغوط السياسية مع الاختناقات الاقتصادية، في ظل غياب أفق حقيقي للحل.
في قلب هذه الأزمة، يبرز استمرار حجز أموال المقاصة من قبل إسرائيل كأداة ضغط ممنهجة، تتجاوز البعد المالي لتشكّل رافعة سياسية لإعادة تشكيل السلوك الفلسطيني، وضبط إيقاعه وفق محددات الاحتلال. ومع اعتماد المالية الفلسطينية بشكل كبير على هذه الإيرادات، باتت السلطة رهينة لقرار خارجي، يفقدها القدرة على التخطيط المالي المستقل، ويضع مؤسساتها في حالة شلل تدريجي.
لكن الأخطر من ذلك، هو انعكاس هذه السياسات على الواقع الاجتماعي والمعيشي، حيث أصبح الموظف الفلسطيني—الذي كان يشكّل صمام أمان للاستقرار—في مواجهة انهيار تدريجي في قدرته على الصمود. فتقبيض الرواتب بمعدل لا يتجاوز نحو ألفي شيقل، في ظل غلاء فاحش وارتفاع غير مسبوق في تكاليف المعيشة، لم يعد يفي بالحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة، بل بات يدفع شريحة واسعة من الموظفين إلى دائرة العجز المالي، والاستدانة، والتآكل الاجتماعي.
إن هذا الواقع لا يمكن قراءته فقط كأزمة دخل، بل كتحول خطير في البنية الاجتماعية، حيث تتآكل الطبقة الوسطى، وتتسع فجوة الفقر، وتضعف القدرة الشرائية، ما ينعكس سلبًا على مجمل النشاط الاقتصادي. ومع تراجع الخدمات الأساسية—الصحية والاجتماعية—وتقليص الدوام في المؤسسات الحكومية، وتدني مستوى التعليم نتيجة الإضرابات ونقص الموارد، تتكامل عناصر أزمة مركبة تنذر بانفجار اجتماعي وشيك، قد يتجاوز في تداعياته البعد الاقتصادي ليطال الاستقرار العام.
ورغم التزام الحكومة الفلسطينية برئاسة محمد مصطفى بجملة من الشروط والإصلاحات التي فرضتها كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، إلا أن هذا الالتزام لم يُترجم إلى أي اختراق حقيقي، لا على المستوى المالي ولا السياسي. وهو ما يكشف عن خلل عميق في معادلة “الالتزام مقابل الدعم”، حيث يُطلب من السلطة تقديم تنازلات وإصلاحات، دون أن يقابل ذلك ضمانات فعلية للاستقرار أو تخفيف القيود المفروضة عليها.
إن الصمت الدولي إزاء هذا التدهور لا يمكن اعتباره حيادًا، بل هو تعبير عن مقاربة ترى في الاستقرار الأمني أولوية تتقدم على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للشعب الفلسطيني، ما يترك السلطة في مواجهة مفتوحة مع أزمتها، دون شبكة أمان حقيقية.
وفي ظل تضخم مديونية السلطة لتتجاوز خمسة عشر مليار دولار، تدخل المالية العامة مرحلة حرجة، تتسم بارتفاع الالتزامات مقابل تآكل الإيرادات، ما يهدد بانهيار تدريجي لقدرة المؤسسات على أداء وظائفها. ويُضاف إلى ذلك اهتزاز الثقة في النظام المالي، وتزايد الضغوط على القطاع المصرفي، وتنامي الاقتصاد غير الرسمي، بما يحمله من مخاطر بنيوية على المدى المتوسط والبعيد.
أمام هذا المشهد، تتصاعد الدعوات المطالبة باستقالة الحكومة، باعتبارها تعبيرًا عن حالة غضب وإحباط شعبي متزايد. غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته السياسية، يظل قاصرًا عن معالجة جوهر الأزمة، التي تتجاوز أداء الحكومة إلى طبيعة الإطار الذي تعمل ضمنه. فالمشكلة ليست في الأشخاص بقدر ما هي في القيود المفروضة على القرار السياسي والاقتصادي الفلسطيني.
وعليه، فإن أي تغيير حكومي، في غياب مراجعة استراتيجية شاملة للعلاقة مع إسرائيل، وإعادة تعريف الالتزامات الاقتصادية والسياسية، لن يكون سوى إعادة إنتاج للأزمة بأدوات مختلفة. فالحكومات تتغير، لكن القيود تبقى، ما لم يتم كسر الحلقة البنيوية التي تحكم هذا الواقع.
إن اللحظة الراهنة تفرض الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق إعادة بناء النموذج، عبر تبني استراتيجية وطنية شاملة تقوم على: تقليل الاعتماد على أموال المقاصة، وتعزيز الإيرادات الذاتية، وتفعيل أدوات الضغط القانوني والدبلوماسي دوليًا، وإجراء إصلاحات داخلية حقيقية تعيد الاعتبار لمفاهيم الشفافية والمساءلة والكفاءة.
وفي الخلاصة، فإن استمرار الوضع القائم، بكل ما يحمله من تآكل في الرواتب، وتدهور في الخدمات، وتصاعد في المديونية، ينذر بتحول الأزمة المالية إلى أزمة مجتمع، وربما إلى أزمة نظام سياسي بأكمله. وهو ما يتطلب قرارات جريئة تعيد تعريف وظيفة السلطة، ليس كجهاز إداري هش، بل كأداة صمود وطني قادرة على مواجهة الضغوط، واستعادة ثقة المواطن، ومنع الانزلاق نحو انفجار اجتماعي باتت ملامحه تلوح في الأفق.