ديجافو

هذه لحظة تتكرر على فترات، لكن ليست كل مرة كسابقاتها إذ تنحرف فيها رتوش صغيرة جدًا لا تكاد تُلاحظ.

في كل مرة يختلط فيها الوهم بالواقع، يمتزج الخيال بالحلم؛ لم يكن ما رأيته عبثًا، بل حقيقة عشتها من قبل.

كل مرة أقول:

لقد مشيت في هذا الطريق من قبل، رأيت ذلك الشيخ الثمانيني الذي يتكفف الناس، لا أذكر أني منحته صدقة من قبل، ولا أدري لماذا؟ رغم منظره البائس.

وهذه التلميذة الصغيرة في زيّها المدرسي. ضفيرتاها المتطايرتان في الهواء، ضحكتها الشقية، كذلك هذه المرأة التي تقف أو تنتظر على الرصيف الثاني من الشارع، نظرتها العابثة إليّ، والدافئة في نفس الوقت للصغيرة الواقفة بيني وبينها.

حتى الهدوء الذي يخيّم على المكان، مواء قطة قريبة منّي، عواء جرو في مدخل بيت قديم غابت أمه عنه منذ فترة، أو ربما ماتت دهسًا أو على يد "السمّاوي".

نفس الأحداث تتكرر أمام عينيّ كصورة كربونية قديمة أو ضوئية حديثة، حتى أنني أصبحت ماهرًا في سرد الحدث أثناء وقوعه؛ ليقيني بمعايشته من قبل.

فهل أنا مريض؟ أم هي بدايات الشيخوخة ؟

هذه المرة قطعت الشارع عدوًا وأنا أشير للمرأة أن تنتظرني، وقد استجابت لي و ظلت مكانها، اقتربت منها ودقّقت النظر في عينيها ، انحدرت بنظري إلى أسفل ذقنها، ولم أمنع نفسي أن أهوى إلى ما دون ذلك؛ فكل شيء فيها يستحق.

بينما ظلت هي تنتظر أن أفرغ مما أفعل، تزداد ابتسامتها اتساعًا، حتى مللت من الصمت الهادر بيني وبينها، قلت لها:
-ألم نلتقِ من قبل؟ كأني أعرفكِ.

ثم مددت لها يدي، فدَفَعَتْ بكفّها ناحيتي. فكان التقاء ودفء في الأوصال، غيمة تتمدد في الأفق. بينما الصغيرة تلهو وتقفز لأعلى وصدرها يهبط لأسفل، العرق يغمرها، الجرو يعوي أكثر، القط يجيبه بمواء يثير الشجن كأنه يقول له:
-لست وحدك.

عُدت إلى المرأة، سألتها ثانية:
-المشهد الحالي عشته من قبل، عشته معكِ، فهل أنتِ حقيقة أم هو "الزهايمر" يراودني عن نفسي قبل الأوان؟

إن كل شيء يمر أمامي الآن عشته من قبل، رأيته، أحسسته، لمسته بيدي، أدرته في عقلي لكن لا أصل إلى شيء يريحني.

فهل أنا محق فيما أقول؟

أم أنتِ، وهذا السائل – وأشرت إلى الشيخ، لكنها لم تتبع إشارتي، وظلت على حالها من الابتسام المغلّف بالصمت ومداومة النظر إليّ – وهذه الفتاة الصغيرة، والجرو، والقط، مجرد أوهام أعيشها وتدور في عقلي أنا فقط؟

ظلت المرأة تستمع لي في شغف غريب، تتبع حركاتي، سكوتي، إيماءاتي، التفاتاتي، تفعل ذلك وهي صامتة باسمة... ثم:

أزاحت جزءًا من طرحتها، فبان نحرها، عضّت على شفتيها – ربما من الخجل – فتذكرتُ أن يدي لا تزال تقبض على أصابعها.

بجهد ومشقة أخرجتُ نفسي من هذه الدوامة، تخلّيت ببطء عن يدها وأنا أقدّم لها اعتذارات لا نهائية، لكني توقفت أمام ملحوظة لم تسترع انتباهي في الرؤى السابقة: أن طلاء شفتيها أحمر غامق يقترب من السواد.

لذلك عُدت إليها وأمسكت يدها، ثم همست:
-تثيرني المرأة التي تتشح شفتاها بالسواد من الطلاء.

ضحكت بغنج، غرست نابها الأعلى الأيسر في شفتها السفلى، تملّصت من وجودي معها، ثم انحنت تحمل حقيبة يد سوداء؛ لم أرها من قبل، ثم استدارت تغادر الصورة.

ظللت أتابعها بعيني، أقارن تضاريسها بكل تفاصيل الصور الكثيرة التي مرّت بي.

استعدتُ ذكريات دروس الجغرافيا القديمة، لكني لم أعهد هذه الهضاب من قبل.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...