عم سعيد... أسطى نجار مسلح، يعمل في شركة مقاولات خاصة.. متزوج، وعنده ولدان وبنت، والثلاثة في الجامعة؛ ولذلك كان يعمل ليل نهار لأجل توفير احتياجاتهم ومطالبهم التي لا تنتهي...
وفي يوم، كان واقفاً على الخشبة، في بناية جديدة تبنيها الشركة، بالتعاون مع شركات أخرى في الصحراء، وزلت قدمه وسقط من الدور الخامس..
ظل يصرخ على الأرض، ويحاول أن ينهض ليتحسس قدميه، اللتين أحس بآلام رهيبة فيهما إلا أنه لم يستطع..
وظل يتوجع، ويصرخ، ويمسك عينيه عن الدمع، متخيلاً أن أبناءه بين الواقفين، أو أن من بينهم من سيخبرهم عن حاله، بعدما سقط، فتحمل قدر المستطاع..
نقلته سيارة أحد المهندسين إلى إحدى المستشفيات، وبعد فحص قرر الأطباء أن يدخل العمليات، لتجبير قدم وبتر الأخرى!
ولما كان عم سعيد أرزقي على باب الله – لا تأمين ولا ورق، يثبت أنه شغال في الشركة من الأساس – وقف الله له أولاد الحلال، الذين تكفلوا بالعملية، ومنهم الرجل صاحب البناية، الذي منحه بعدما أفاق مبلغ خمسة آلاف جنيه، ليخفف من صدمته، وبكائه الذي لم يخجل هذه المرة أن يذرفه، وسط حضور زوجته وأولاده..
ظل في المستشفى أسبوعاً، ثم أخبره الأطباء أن المبلغ الذي وُضع في حسابه نفد، وأنه يمكنه أن يتابع العلاج من البيت..
تناولت زوجته الهاتف، وأخذت تطلب أرقام زملائه ومديريه وصاحب البناية، لتخبرهم عما حدث، لكن أحداً منهم لم يُجب، فرفع إليها يده، لتتوقف عن الاتصال، ثم أومأ رأسه للأطباء، ليخبرهم أنه موافق لما يروه..
وعاد للبيت محمولاً من أيدي الجيران والأقارب؛ أرقدوه فوق فراشه، ثم انصرفوا دون كلام.. وقبل أن ينزلوا، مدوا أيديهم بما يستطيعون للست أم محمود، قائلين: إن اليد قصيرة، فشكرتهم المرأة الصابرة وطلبت منهم أن يدعوا له..
وقضى عم سعيد في البيت شهرين في غم ونكد، يحترق قلبه كلما سمع أحد الأولاد أو البنت، تطلب من أمها شيئاً فتتنهد السيدة وتقول لهم: الصبر. ربنا يسهل.
فيسألها: ماذا يريدون؟
فتقول: إنها أشياء بسيطة، وستتصرف لإحضارها لهم، لكنه يعلم أن لا شيء بسيط في هذه الأيام..
كانت بداية ترم دراسي جديد، والأولاد يحتاجون ملابساً وأدوات مدرسية، والبنت أيضاً تحتاج الكثير والكثير، ككل البنات.. ويكاد يصرخ يأساً، كلما فكر أن فرصة زواج ابنته بالقريب تبددت تماماً بعدما جرى له؛ كيف يجهزها؟!
وكان يجلس مع زوجته، يحدثها باكياً عن نصيبه من الدنيا، وأنه كان يتمنى لها وللأولاد حياة أفضل، غير أن نصيبه كما رأت.. ثم عرض عليها أن يطلقها، لتعود إلى إخوتها، فانفجرت هي الأخرى باكية، تترجاه أن يعدل عن هذا الخاطر، وأنها قد رأت في جواره الخير سنوات، فلا يضير لو جربت معه الشقاء قليلاً..
ونزل كل الأولاد للعمل.. حتى البنت وجدت شغلة بائعة في محل ملابس!
ورغم أن هذه الشغلة لم ترقَ له، إلا أنه لم يملك أن يعترض، فصمت مكسوراً، وهو يشاهدها كل يوم ترتدي من الملابس، ما يتناسب مع شغلتها الجديدة..
وأصبح البيت خالياً على الدوام، بعدما نزلت المرأة أيضاً، للعمل خياطة في ورشة يملكها أحد الجيران..
وبعدها بفترة، وقد برأ قليلاً من الآلام، التي كان يحس بها في ساقه، نزل هو أيضاً للعمل..
أحضر له أولاد الحلال وظيفة أمن في محل سوبر ماركت..
تبدأ ورديته بعدما يغلق المحل أبوابه، يظل فوق كرسيه يراقب المكان، وهكذا لم يعد يرى أولاده ولا يرونه..
وكثيراً ما كان يستغل ساعات وحدته في العمل ليبكي، وهو يتذكر الأيام التي كانت سعيدة، ويحزن على نصيبه من الحياة، منذ وُلد يتيم الأم، وزواج أبوه بعدها بشهرين..
كانت زوجة أبيه مؤذية، سقته الويل، وهي من ألحت على أبيه، ليخرجه من المدرسة – وكان شاطراً فيها – وألحقته بورشة نجارة، لدى قريب لها، الشيء الذي لم تفعله مع أبنائها..
وكان يعلم أنها تخون أباه، لكنه لم يستطع أن يبوح بشيء..
وكان يعلم أن أكبر أولادها ليس من أبيه، وإنما من قريبها الذي عمل عنده، لكنه لم يستطع أن يتكلم، وكان يكتوي من الألم، كلما شعر بمحبة أبيه للغلام الجديد، ويهم أن يخبره بالحقيقة، فيخاف عليه أن يموت من الصدمة..
حتى أنجبت بدل الواحد خمسة، ولم يدر إن كانوا جميعاً مثل أخيهم الأكبر أم من صلب أبيه، فترك لهم البيت بمجرد أن بلغ سن الشباب، وتزوج بعيداً ولم يعزم واحداً منهم.. ثم أنجب أبناءه واحداً واحداً، ويتذكر قصة كل واحد منهم، فيبتسم، ويدمع، ويمسح عن عينيه دموع التأثر..
وفي ليلة كان في العمل، وأحس بجوع شديد، ونظر لشنطته البلاستيكية، التي تضع له فيها زوجته، قبل أن ينزل، أرغفة خبز وجبناً، لكنه أكلهم جميعاً منذ قليل!
وكان الجوع يقرص معدته، فقام يدخل إلى المحل، مستنداً على عكازه، ومشى نحو رف الأرغفة، وتناول كيساً، ثم توجه ناحية الجبن، وقطع لنفسه قطعة صغيرة، وعاد إلى مكانه، وبدأ يأكل..
وفي الصباح، جاء موظفو المحل، ومعهم مديره، الذي رأى ما كان يأكله، فتجهم وجهه، وصاح به:
– إيه ده؟
ارتبك، وهو يرد:
– كنت جعان فقلت أحط لي حاجة آكلها، والفلوس كدة كدة جاهزة في جيبي، هروح أحاسب عليهم على طول..
فنظر له الرجل نظرة استغراب، ثم هز رأسه، وطلب منه أن ينتظر وخرج..
ثم عاد، ومعه موظفو الأمن، الذين فتشوه بسرعة، وهو متفاجئ من فعلهم!
أشاروا لمديرهم، أن لا شيء آخر في جيوبه، فنادى الرجل موظف الحسابات، ليحاسبه على ما أكل..
فقال عم سعيد ضاحكاً:
– ما كان من الأول.
وبعد ذلك، أخرجه الموظفون من المحل، وأخبروه أن عيشه هنا قد انقطع!
صاح:
– يعني كنت أموت من الجوع؟
لم يردوا عليه، وتركوه، وعادوا إلى داخل المحل..
ظل يتأملهم في حسرة، ثم لوى جسده بالعكاز، وتوجه صوب منزله حزيناً، يفكر في حال ابنته وزوجته وولديه ماذا يقول لهم حينما يعود!
وفي يوم، كان واقفاً على الخشبة، في بناية جديدة تبنيها الشركة، بالتعاون مع شركات أخرى في الصحراء، وزلت قدمه وسقط من الدور الخامس..
ظل يصرخ على الأرض، ويحاول أن ينهض ليتحسس قدميه، اللتين أحس بآلام رهيبة فيهما إلا أنه لم يستطع..
وظل يتوجع، ويصرخ، ويمسك عينيه عن الدمع، متخيلاً أن أبناءه بين الواقفين، أو أن من بينهم من سيخبرهم عن حاله، بعدما سقط، فتحمل قدر المستطاع..
نقلته سيارة أحد المهندسين إلى إحدى المستشفيات، وبعد فحص قرر الأطباء أن يدخل العمليات، لتجبير قدم وبتر الأخرى!
ولما كان عم سعيد أرزقي على باب الله – لا تأمين ولا ورق، يثبت أنه شغال في الشركة من الأساس – وقف الله له أولاد الحلال، الذين تكفلوا بالعملية، ومنهم الرجل صاحب البناية، الذي منحه بعدما أفاق مبلغ خمسة آلاف جنيه، ليخفف من صدمته، وبكائه الذي لم يخجل هذه المرة أن يذرفه، وسط حضور زوجته وأولاده..
ظل في المستشفى أسبوعاً، ثم أخبره الأطباء أن المبلغ الذي وُضع في حسابه نفد، وأنه يمكنه أن يتابع العلاج من البيت..
تناولت زوجته الهاتف، وأخذت تطلب أرقام زملائه ومديريه وصاحب البناية، لتخبرهم عما حدث، لكن أحداً منهم لم يُجب، فرفع إليها يده، لتتوقف عن الاتصال، ثم أومأ رأسه للأطباء، ليخبرهم أنه موافق لما يروه..
وعاد للبيت محمولاً من أيدي الجيران والأقارب؛ أرقدوه فوق فراشه، ثم انصرفوا دون كلام.. وقبل أن ينزلوا، مدوا أيديهم بما يستطيعون للست أم محمود، قائلين: إن اليد قصيرة، فشكرتهم المرأة الصابرة وطلبت منهم أن يدعوا له..
وقضى عم سعيد في البيت شهرين في غم ونكد، يحترق قلبه كلما سمع أحد الأولاد أو البنت، تطلب من أمها شيئاً فتتنهد السيدة وتقول لهم: الصبر. ربنا يسهل.
فيسألها: ماذا يريدون؟
فتقول: إنها أشياء بسيطة، وستتصرف لإحضارها لهم، لكنه يعلم أن لا شيء بسيط في هذه الأيام..
كانت بداية ترم دراسي جديد، والأولاد يحتاجون ملابساً وأدوات مدرسية، والبنت أيضاً تحتاج الكثير والكثير، ككل البنات.. ويكاد يصرخ يأساً، كلما فكر أن فرصة زواج ابنته بالقريب تبددت تماماً بعدما جرى له؛ كيف يجهزها؟!
وكان يجلس مع زوجته، يحدثها باكياً عن نصيبه من الدنيا، وأنه كان يتمنى لها وللأولاد حياة أفضل، غير أن نصيبه كما رأت.. ثم عرض عليها أن يطلقها، لتعود إلى إخوتها، فانفجرت هي الأخرى باكية، تترجاه أن يعدل عن هذا الخاطر، وأنها قد رأت في جواره الخير سنوات، فلا يضير لو جربت معه الشقاء قليلاً..
ونزل كل الأولاد للعمل.. حتى البنت وجدت شغلة بائعة في محل ملابس!
ورغم أن هذه الشغلة لم ترقَ له، إلا أنه لم يملك أن يعترض، فصمت مكسوراً، وهو يشاهدها كل يوم ترتدي من الملابس، ما يتناسب مع شغلتها الجديدة..
وأصبح البيت خالياً على الدوام، بعدما نزلت المرأة أيضاً، للعمل خياطة في ورشة يملكها أحد الجيران..
وبعدها بفترة، وقد برأ قليلاً من الآلام، التي كان يحس بها في ساقه، نزل هو أيضاً للعمل..
أحضر له أولاد الحلال وظيفة أمن في محل سوبر ماركت..
تبدأ ورديته بعدما يغلق المحل أبوابه، يظل فوق كرسيه يراقب المكان، وهكذا لم يعد يرى أولاده ولا يرونه..
وكثيراً ما كان يستغل ساعات وحدته في العمل ليبكي، وهو يتذكر الأيام التي كانت سعيدة، ويحزن على نصيبه من الحياة، منذ وُلد يتيم الأم، وزواج أبوه بعدها بشهرين..
كانت زوجة أبيه مؤذية، سقته الويل، وهي من ألحت على أبيه، ليخرجه من المدرسة – وكان شاطراً فيها – وألحقته بورشة نجارة، لدى قريب لها، الشيء الذي لم تفعله مع أبنائها..
وكان يعلم أنها تخون أباه، لكنه لم يستطع أن يبوح بشيء..
وكان يعلم أن أكبر أولادها ليس من أبيه، وإنما من قريبها الذي عمل عنده، لكنه لم يستطع أن يتكلم، وكان يكتوي من الألم، كلما شعر بمحبة أبيه للغلام الجديد، ويهم أن يخبره بالحقيقة، فيخاف عليه أن يموت من الصدمة..
حتى أنجبت بدل الواحد خمسة، ولم يدر إن كانوا جميعاً مثل أخيهم الأكبر أم من صلب أبيه، فترك لهم البيت بمجرد أن بلغ سن الشباب، وتزوج بعيداً ولم يعزم واحداً منهم.. ثم أنجب أبناءه واحداً واحداً، ويتذكر قصة كل واحد منهم، فيبتسم، ويدمع، ويمسح عن عينيه دموع التأثر..
وفي ليلة كان في العمل، وأحس بجوع شديد، ونظر لشنطته البلاستيكية، التي تضع له فيها زوجته، قبل أن ينزل، أرغفة خبز وجبناً، لكنه أكلهم جميعاً منذ قليل!
وكان الجوع يقرص معدته، فقام يدخل إلى المحل، مستنداً على عكازه، ومشى نحو رف الأرغفة، وتناول كيساً، ثم توجه ناحية الجبن، وقطع لنفسه قطعة صغيرة، وعاد إلى مكانه، وبدأ يأكل..
وفي الصباح، جاء موظفو المحل، ومعهم مديره، الذي رأى ما كان يأكله، فتجهم وجهه، وصاح به:
– إيه ده؟
ارتبك، وهو يرد:
– كنت جعان فقلت أحط لي حاجة آكلها، والفلوس كدة كدة جاهزة في جيبي، هروح أحاسب عليهم على طول..
فنظر له الرجل نظرة استغراب، ثم هز رأسه، وطلب منه أن ينتظر وخرج..
ثم عاد، ومعه موظفو الأمن، الذين فتشوه بسرعة، وهو متفاجئ من فعلهم!
أشاروا لمديرهم، أن لا شيء آخر في جيوبه، فنادى الرجل موظف الحسابات، ليحاسبه على ما أكل..
فقال عم سعيد ضاحكاً:
– ما كان من الأول.
وبعد ذلك، أخرجه الموظفون من المحل، وأخبروه أن عيشه هنا قد انقطع!
صاح:
– يعني كنت أموت من الجوع؟
لم يردوا عليه، وتركوه، وعادوا إلى داخل المحل..
ظل يتأملهم في حسرة، ثم لوى جسده بالعكاز، وتوجه صوب منزله حزيناً، يفكر في حال ابنته وزوجته وولديه ماذا يقول لهم حينما يعود!