أحمد عبدالله إسماعيل - جرعة زائدة...

تقترب عقارب الساعة في مكتب المقدم "حازم" من الثانية صباحًا. الهدوء في قسم بولاق يقطعه فقط صوت مروحة السقف الرتيب. أمامه على المكتب، كان ملف "انتحار هيثم" مفتوحًا، وبجانبه صورة. لم تكن ملامح هيثم توحي باليأس، بل كانت عيناه تصرخان بشيء آخر لم يقرأه الجميع في البداية.

جلست الزوجة في المواجهة، تتصنع الانهيار، تمسح دموعًا جافة وهي تردد:
- مر بأزمة نفسية: أغلق الباب على نفسه وأنهى حياته؛ لم أستطع إنقاذه.

يقف شريكها، "الصديق الخائن"، في زاوية الغرفة، يوزع نظرات القلق المصطنع، ويؤكد الرواية ذاتها. كل الشواهد المبدئية كانت تشير إلى انتحار كلاسيكي، لكن المقدم "حازم" لم يكن يبحث عن "الشواهد"، بل عن "المنطق".

صمت الضابط فجأة، ثم أشعل سيجارته وسأل بهدوء قاتل:
- إذا كان قد انتحر في غرفته كما تقولين، فلماذا وجدت آثار حبال على معصميه؟ ولماذا كانت رائحة المطهر تفوح من جدران الصالة تحديدًا، بينما غرفته تعمها الفوضى؟

ارتبكت الزوجة؛ وتجمدت الكلمات في حلقها. هنا، ألقى الضابط ورقته الأخيرة: تقرير الطب الشرعي المبدئي الذي وصل للتو:
- لم يمت هيثم بجرعة زائدة من اليأس يا مدام، بل مات وقلبه متوقف من الرعب قبل الخنق. الوقت الذي قضاه مقيدًا، هو الذي قتله.

في تلك اللحظة، انكسر جدار الصمت الزائف. صرخت الزوجة، وبدأت الاعترافات تتوالى كحجارة الدومينو. تحول عويلها المصطنع إلى فحيح مكتوم:
لم تكن مجرد جريمة قتل، بل كانت رحلة تعذيب سادية. أسبوع كامل وهيثم يرى شرفه يُنتهك أمام عينه وهو مقيد. تحول بيت الزوجية من سكن إلى ساحة إعدام نفسي انتهت بمحاولة تصوير المشهد كأنه انتحار للهروب من حبل المشنقة.

مع بزوغ أول خيط للفجر، كان المحضر قد اكتمل بالاعترافات التفصيلية. القتل العمد المقترن بالتعذيب وهتك العرض. مواد قانونية ستكتب السطر الأخير في حياة هؤلاء "الشياطين".
خرج المقدم حازم إلى شرفة المكتب، استنشق هواء الفجر البارد، ونظر نحو سماء بولاق. لقد ظن الجناة أنهم أحكموا الخطة، لكنهم نسوا أن "الثغرة" دائمًا ما يتركها الظالم خلفه، لتكون هي الحبل الذي يلتف حول عنقه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...