سريعاً بلغ بوّابة المدينة الكبيرة التي دخلها وعبرها سابقاً.
سريعاً أراد تحقيق رغبة في بلوغ المكان الذي ارتاح فيه كثيراً سابقاً.
سريعاً سمحوا له بدخول المدينة، رغم التفتيش الدقيق. أكثر من ذلك، لقد رحَّبوا به وتمنوا له سلامة العبور وبلوغ المقصد، والابتسامة لا تفارق محيّاهم، ولم يكونوا هكذا سابقاً.
سريعاً بلغ محطة استراحة ذائعة الصيت في المدينة. هذه المرة، هناك من استقبله وانحنى أمامه، وقدّم له ما يشتهي دون مقابل، مثيراً دهشته بذلك.
سريعاً توقف في زاوية شارع، ذكّرته بصاحب له التقاه هناك، طلب من رآه، ببالغ الاحترام في أن يأخذ قسطاً من الراحة، وقد قدَّم له ماء زلالاً.
سريعاً، وقف عند باب حديقة، صعبٌ الدخول إليها، لكن الباب فُتِح ما أن توقف عنده، مرحَّباً به، ولم يدّخر الحارس جهداً في مرافقته والبقاء واقفاً وفي خدمته، وهو يتنفس الصعداء على مقعد مظلل.
سريعاً أوقفه مشهد أطفال وهم يلعبون على الأراجيح، فتركوا كل شيء مقبلين عليه صحبة أهليهم، وهم يلتقطون صوراً تذكارية معه، وهم يغمرون بحنان غير مسبوق.
سريعاً انتقل بعدها إلى مطعم قريب من المكان نفسه، مشتهياً طعاماً يناسب معدته، وقد عنيَ به كثيراً، حيث لم يذق لحماً شهياً كالذي قُدّم له ، وكأنه الوحيد في المطعم .
سريعاً بلغ بوابة الخروج، حيث لم يجد أي عائق في الشارع المؤدي إليه. أكثر من ذلك، كان الذين تقع أعينهم عليه يتنحون جانباً، ليمر، وهم يرفعون أيديهم تحية ووداعاً له .
سريعاً سوّيت معاملته كما جرى التعامل معه عند بوابة الدخول، وأكثر من ذلك، حين أحيط بكثيرين من العاملين الحدوديين، وهم يضيفونه بما يشتهي: ماء وشراباً.
سريعاً أدرك نوعية هذا الاهتمام والتقدير من قبل أهل المدينة، وهم ينادونه بصاحب النسب، نسب الذين أفصحوا عن أنهم وجدوا فيه ما كانوا يبحثون عنه، ويرتاحون إليه.
سريعاً أدرك حقيقة الرابط بينه وبين الذين التقاهم من بوابة الدخول مروراً إلى بوابة الخروج، إنه رابط الذَّنَب، إنما المختلف، هو أن ذنب كل من التقاه واحتفى به، كان في مؤخرة رأسه، وليس كذنبه الذي يغطي مؤخرته. وكان ذلك مبعث سعادة وسكينة وأمان له بامتياز.
سريعاً داهمه هم وغم وقلق، إزاء هؤلاء الذين نسَّبوا أنفسهم إليه، وصعوبة إدارة شئونهم، والتوفيق بين الدفع بهم كلبيين مثله، وما هو عليه، بوصفه كلباً، أباً عن جد!