سعيد حجي - قدح اللبن...

كانت لا تزال تحمل قدح اللبن بين يديها حينما خرجتُ لتوه من بين أشجار اللوز، وكان الهواء مشبعا برائحة الطلع، رائحة خفيفة تلتصق بالأنف كذاكرة قديمة، لا تزول بسهولة، وكانت الأرض تحت قدميّ رخوة قليلا، كأنها تحفظ آثار من مرّوا قبلنا، خطوات الرعاة، تعب النساء، وركض الأطفال خلف ماعز شاردة، لا أعلم ما الذي استأثرني فيها أكثر، ذلك الوشم الذي يشبه حرفا قديما مرسوما على وجنتها، أم تلك النظرة التي تشبه انتظارا طويلا لا اسم له، انتظار يتكوّن من أيام متشابهة، من صباحات تبدأ بالحليب وتنتهي بالبرد، من صمت يتراكم في الحلق حتى يصبح عادة...
كان الوشم أشبه بعقرب، أو كأنه خريطة صغيرة لشيء ضاع منها، خطوط دقيقة متشابكة، كأنها كتابة لم تكتمل، أو كأنها أثر قبيلة مرّت من جسدها وتركت علامتها، وكان وجهها يحمل صلابة لا تحتاج تفسيرا، ملامح قاسية، بارزة، منحوتة ببطء عبر سنوات من العمل والانتظار، ملامح أقرب إلى ملامح رجل عاش طويلا في مواجهة الطبيعة، في مفاوضة يومية مع الجوع والمطر، وتجاعيدها لم تكن مجرد خطوط، كانت سردا صامتا، كل خط يحكي عن يوم ثقيل، عن شمس لم ترحم، عن ليل طويل بلا دفء...
القرية بدأت تستعد لغيوم نهاية أبريل، تلك الغيوم التي تأتي ببطء، تتجمع كأنها تفكر، وتغطي السماء بطبقة رمادية تجعل كل شيء يبدو مؤجلا، حتى الكلام، حتى الرغبة في الحركة، وكان الناس يتحركون بإيقاع مألوف، لا استعجال، لا مفاجآت، كأن الزمن هنا لا يطوى بالساعات انما بالأعمال المتكررة، حلب، خبز، انتظار، نوم، ثم إعادة كل شيء من جديد...
كانت تنظر إليّ بنوع من الفضول، فضول لا يخلو من حذر، نظرة تعرف جيدا معنى الغريب، الغريب الذي يمر ولا يترك أثرا، أو يترك أثرا صغيراا كظل، وكان في نظرتها سؤال غير منطوق، سؤال بسيط في شكله، عميق في جوهره، ماذا تفعل هنا، ومن أين جئت، وهل ستمكث أم ستختفي كما اختفى كثيرون مرّوا من هنا دون أن يتعلموا لغة الصمت...
لم أعد أتذكر منها سوى ذلك الوشم، كان يظهر لي كلما اقتربت من النوم، كأنه يرفض أن يُنسى، كأنه يطالب بشيء لم أفهمه، يظهر أحيانا واضحا، وأحيانا مشوشا، يتغير شكله، مرة يبدو كعقرب، مرة كحرف، مرة كندبة قديمة، وكان يتسلل إلى ذهني في لحظات غير متوقعة، حين أسمع صوت الماء، حين أرى يدا تحمل قدحا ، حين تمر امرأة في الطريق بنظرة ثابتة.
أتذكر أيضا طريقة وقوفها، ثباتها، كأنها جزء من المكان، كأنها شجرة أخرى من أشجار اللوز، جذورها ممتدة في الأرض، لا تفكر في الرحيل، ولا تنتظر شيئا خارج هذا الإطار الضيق، وأتذكر يدها، يد خشنة، متشققة قليلا، تحمل أثر العمل اليومي، يد تعرف جيدا معنى الإنتاج، معنى أن تعيش لتضمن استمرار اليوم التالي...
القرية نفسها كانت تشبهها، صلبة، قليلة الكلام، لا تقدم نفسها بسهولة، تحتاج وقتا لتفهم إيقاعها، لتدرك أن البساطة هنا ليست فقرا في المعنى، هي اقتصاد في التعبير، وأن الناس هنا لا يكثرون من الشرح، لأن حياتهم نفسها شرح كاف، وأن القيم لا تقال، انها تمارس، في الصباح الباكر، في ترتيب الأشياء، في الصبر على التفاصيل الصغيرة...
كنت أفكر، وأنا أبتعد، كيف يمكن لوشم صغير أن يحمل كل هذا الثقل، كيف يمكن لعلامة على الوجه أن تختصر تاريخا كاملا من العيش، من التكيّف، من القبول، وكان يخطر لي أن الإنسان لا يحمل جسده فقط، هو معه يحمل أيضا ما كُتب عليه، ما تركه الآخرون فيه، العادات، الكلمات، النظرات، وأن الهوية ليست فكرة مجردة، هي تراكم بطيء، يتشكل عبر الزمن دون إعلان.
تذكرت عبارة قرأتها يوما في رواية قديمة: "الوجوه التي عبرت الألم لا تحتاج إلى أن تتكلم، يكفي أن تُرى لتُفهم"، وكانت تلك العبارة تلتصق بها كما يلتصق الغبار بالثياب في طرقات القرية، لأن الفهم هنا لا يأتي من التحليل، إنما يأتي من الملاحظة، من القدرة على رؤية ما لا يقال.
ومنذ ذلك اليوم، كلما رأيت وشما، أو وجها يحمل أثر الزمن، أتوقف قليلا، أفكر في القصص التي لا تروى، في الحيوات التي تسير بصمت، في الناس الذين لا يكتبهم أحد، ومع ذلك يكتبون العالم بطريقتهم، ببطء، بثبات، دون ضجيج، كأنهم يعرفون أن البقاء نفسه شكل من أشكال التشبث بتلابيب المقاومة ، وأن الاستمرار، في أماكن كهذه، ليس أمرا بسيطا، بل اختيار يومي، يتجدد مع كل صباح...



تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...