عماد يحيى عبيد - الأيدي القذرة...

ران صمت مفخخ على الجلسة، نظرات تتفرس الوجوه الحاضرة، ارتياب وقلق مما ستفضي إليه النتيجة، فالقرار حاسم والجميع صاغ للقول الفصل، إما الركض إلى الأعلى أو الدوران في المكان.
الأكبر سنا -المخضرمون - تصدروا المقاعد الأمامية، النساء في الخلف، فيما احتشد الشباب ذكورا وإناثا وقوفا في الممرات المحاذية لجدران القاعة، وفي الأمام جوار المنصّة مقعدان وثيران كان للأستاذ نصيب في أحدهما.
مازالت العيون شاخصة إلى الأستاذ تنتظر منه رأيا يثلج صدور المؤتمرين، بعد أن تلا مدير الجلسة، وأمين سر الحركة بيانهما حول الخطوة المصيرية الواجب إعلانها، سيما وقد استوت الظروف الناضجة لهدير مركبة السفر.
خلف هدوءه الراكد تتبرم أفكار تشي بالمفاجآت، استرجع شريط ذكريات صاخبة يوم كان يجلس في المقعد الخلفي أيام شبابه ويستمع لبيانات يتلوها الرفاق تبشّر بانبلاج الصباح، وتزرع مدارج الأمل بحنطة الوعود، كرج الشريط المكتظ بأحداث ملونة تفاوتت منذ اخضرار المدى إلى ارتخاء أنوار الفنارات وخفوت ذبالاتها، تسارعت خوالي الأيام في مخيلته في لحظات، وتدفقت علاماتها الفارقة إلى سيّالة أفكاره، تنازعته رغبتان، أن يكظم على جرحه ويبارك مسارا قد يفضي إلى الهلاك، أو أن يصفعهم بحكمته وتجربته ناصحا بما يرتاب منه.
نهض عن مقعده بتثاقل، على يمينه منصة الخطباء، وعلى يساره جمهور الرفاق، حياهم بابتسامة خجولة ثم قال:
كم يسعدني هذا الحضور المتوهج بالرغبة الجامحة للعدو صوب الحلم، يذكرني بأيام ماجدة، ويعيد إلى شبابا سرقته مكائد الزمن، فالحلم لا يشيخ طالما تحرسه نفوس أباة مفطورة على رباطة البأس والرنو إلى الأمل، استبشر بكم كما يستبشر الفلاح بالمطر، ... تهللت الوجوه بالفرح ومازال الصمت يفرض سلطانه ... تابعَ ...، نعم أيها الرفاق، ستبقى الأوطان على موعد مع عشاقها، طالما الدم ينبض بأوردتهم، وطالما ترابها يهب الخير والعطاء، لكن واجبي يملي علي أن أصارحكم بما يجول في خاطري بعد تجربة نصف قرن من العراك مع غوائل السياسة وأفكارها، يا رفاقي أراكم تحثون الخطى للسفر إلى المستقبل، وأنا أرى أن التسرع قد يفسد مشروعكم، لا يغرنكم تهليل الآخرين لكم، فخصمكم يملك القوة والسلطة والمكر والدهاء، فإن لم يقمعكم بسطوته، سيستفيد من أخطائكم.
صرخ مدير الجلسة: عن أية أخطاء تتحدث يا أستاذ، ومتى كان العمل النضالي لنصرة الوطن خطئا.
تابع الأستاذ ووجهه إلى الجمهور: لقد وجهتم نيرانكم بالاتهامات إلى رفاق الأمس واستعديتم شريحة كانت أقرب إليكم من حلفاء تعلمون أنهم يكنون لكم البغضاء، أطلقتم نيرانكم على فكر انتميتم إليه يوما ثم وصمتموه بالتخشب والجمود علما أنكم جزء منه، فبدلا من أن تطوعوه ليقارب آمالكم، استبدلتموه بفكر مجلوب لا تعرفون عنه غير ألبسته الزاهية الفضفاضة على أجسادكم، حلفائكم الجدد جمعتكم بهم وحدة الخصم ولم تجمعكم الرؤى المشتركة ولا الأهداف البعيدة، إن التحالفات التكتيكية المتوافقة ستفشل إلى لم تكن الأهداف الاستراتيجية مشتركة ومتوافقة أيضا، أنتم تطمحون إلى شيء وحليفكم يطمح إلى شيء آخر، أوله إقصائكم وآخره ظلم كل من لا يتوافق مع مشروعه.، حليفكم هذا مشروعه ديني ومشروعكم علماني، والفكر العلماني لا يصمد أمام غريزة الدهماء في المجتمعات المتخلفة، أنصاره أكثر وتغلغله بين العامة لا يخفى على أحد، ثم سرد مجموعة من الحوادث والتجارب، التاريخية والمعاصرة، العالمية والعربية، وأجاب على أسئلة استنكارية بحكمة وتفنيد وإقناع، ثم أضاف:
هذه نصيحتي، والقرار لكم، أنا عائد لأعتكف في قريتي لأقضي ما تبقى من عمر حرثته السنون بمعاول قاهرة، أتمنى لكم النجاح، أنتم أملنا ... على أن تعيدوا حساباتكم ولا بد للفرج أن يصدع جدار المستحيل.
*
انساب الدلع من عينيها كانسياب الضوء على بساط العتمة، كلُّ أساريرها تنضح بهوى لا يفسر، هوى ممزوج بين العشق الأبوي والجموح الراني إلى صحبة النجوم، اختصرت فارق العمر بينها وبينه كأنه صديق مجايل لها، ومع ذلك بقيت تخاطبه بالأستاذ، قالت له: حين قررت أنا ونضال أن نزورك ونقيم معك بعض الوقت تقودني حشرية الصحافة أن أكتب عن سيرتك، لم أعلم أي زاد معرفي وقعت عليه، وأية شخصية آسرة هذه التي امتلكت مغنطة الجذب والإقناع والهدوء والرزانة، ليتنا نستطيع قضاء العمر معك.
رد نضال: أنا لا مانع لدي حتى تنفذ نقودنا، أم تريدين أن نفلس نحن والأستاذ معا.
ابتسم الأستاذ ابتسامة وقورة وقال: حقا لقد أسعدتماني، لكني كل ثقة لن تسطيعا أن تبقيا في هذا الكوخ الريفي أكثر من شهر، سيناديكم حنين المدينة وصخب لياليها الحمراء ولقاء رفاق المسرّات وطبخ الأحلام المؤجلة .
لقد اقتنع الرفاق بوجهة نظرك يا أستاذ، وارتأوا ألا يتعجلوا، وربما هناك نية بتغيير التحالفات وإعادة الاصطفافات. قالها نضال وهو يوزز النار في الموقد الحجري في غرفة الجلوس في منزل الأستاذ الذي يسميه كوخا، وثورة تركع على ركبتيها أمام الأستاذ وتناوله الدواء من يديها.
سيأتي يوم وأحدث أبنائي أنني حظيت بصحبة الأستاذ وعايشته ونهلت من فكره واسترشدت بنصائحه، بل سأسمي ابني باسمك، وصوب غمزة إلى حبيبته ثورة،
قالها نضال ولم يعلق لا الأستاذ ولا ثورة على ما قال.
*
دخل إلى غرفته، وجده مستلقيا في السرير وثورة متمددة على كنبة جواره، ناداهما، هزهما، وضع يده على جبهته، وجدها باردة، ثم على جبهة ثورة، تأكد من موتهما، السم أبلى بلاءه بسرعة ودون نزاع.
كان لابد أن يفعل ذلك، صحيح أن مهمته الأساسية برفقة ثورته غرضها قتل الأستاذ بتكليف من قيادة الحركة، حيث عزم الرأي على التخلص منه خشية أن يؤثر بأفكاره على الكوادر وتحدث انشقاقات غير محسوبة، فمازال الكثيرون يؤمنون بأفكاره وهو صاحب حجة وثقافة وفكر وقدرة على الإقناع لا تجارى، إلا أنه استطاع استمالتهما واقتنعا بأفكاره وأقلعا عن فكرة قتله، بل قررا المكوث معه ما أمكن من الوقت، لكنهما خشيا من الاعتراف له بمهمتهما الأساسية، بيد أن الغيرة أخذت تنهش في مخياله بعد أن لاحظ اهتمام ثورة الزائد بالأستاذ ونومها في غرفته وإعراضها عن مطارحته الغرام وهما اللذان تساكنا معا والجميع يعلم أن علاقتهما ستكلل بالزواج، سيما بعد أن أعلنت أنها لن تبارح بيت الأستاذ ما دام حيا.
*
وصل إلى مقر قيادة الحركة، وبشّر حلقة القيادة الضيقة التي كلفتها بالمهمة أنه أنجز المهمة، بعد أن خذلته خطيبته ثورة وانظمت إلى الأستاذ وأفشت له سر المهمة ونية قتله، لذلك كان لابد من قتلهما معا.
أثنى عليه الجميع وهنئوه على حسن التصرف ووعوده بالترقية الحزبية وضرورة كتمان الأمر.
*
انطلقت المظاهرات وعمت الشوارع والرفاق يحملون صورة الأستاذ كرمز وأيقونة للثورة بعد أن نفذوا حكم الإعدام بنضال لخيانته مبادئ الثورة وقتله لمنظرها.

.....
عماد يحيى عبيد – أديب وشاعر سوري
الفكرة مقتبسة من مسرحية (الأيدي القذرة) لجان بول سارتر مع التصرف بالأحداث والخاتمة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...