الجزء الخامس
قلتَ لي يومًا إنك لطالما أطلتَ النظر إليّ، فاعتقدتُ أنّي شجرةٌ في غابة، تستندُ عليها في باحةِ بيتٍ ريفيٍّ قديم، حيث قهوتك وسجائرك متموضعتان قرب جذعي، وحيث تنساب روحك تحت لحائي، تنمو وتطفو كأغصانٍ خضراء وعصافير. صدّقتك، لا لأنك كنتَ بارعًا في القول، بل لأن قلبي كان مستعدًا لأن يكون مأوى، فكنتُ أفتح لك فصولي كما تُفتح النوافذ، وأتركك تتنقّل بين ظلالي كأنك تعرف الطريق منذ البداية. أحببتك لأنني مخلوقةٌ لأجل الحب، لأن الله مسح وجهي بالكلمات اللطيفة، وجعل لي قلبًا من زجاج، شفافًا حدّ الألم وهشًّا حدّ الانكسار، أراك من خلاله وأراك فيه، دون أن أنتبه أن الزجاج لا يكشف فقط… بل يعكس أيضًا ما نحاول تجاهله. لكنك لم تكن لتبقى؛ كنت تمرّ كاستراحةٍ مؤقتة، تستريح قليلًا ثم تمضي، تاركًا خلفك شجرةً تعلّمت متأخرة أن الظلال لا تحفظ أحدًا، وأن العصافير تغادر حين يتغيّر الفصل. في باريس، لم تعد الشجرة خضراء كما كانت، صارت تُسقط أوراقها في صمت، وتتعلم كيف تقف بلا انتظار، لم أعد مأوى ولا كتفًا لراحةٍ عابرة، بل جذعًا يعرف أن من يسكنه يجب أن يبقى… أو لا يأتي. وفي مساءٍ بارد، وقفتُ أمام المرآة أتحسس وجهي، أتساءل إن كانت الكلمات اللطيفة ما زالت تسكنه، أم أنها غادرته كما غادرتَ، فابتسمت، لا لأنني بخير، بل لأنني بدأت أفهم أن القلب الزجاجي لا يُخلق ليُكسر، بل ليعكس الحقيقة حين نتجرأ على رؤيتها، ولهذا لم أعد شجرةً تنتظر، ولا امرأةً تفتح أبوابها لكل عابر، بل صرت ظلًّا يعرف صاحبتَه، ويقف معها… حتى حين يختفي الضوء.
قلتَ لي يومًا إنك لطالما أطلتَ النظر إليّ، فاعتقدتُ أنّي شجرةٌ في غابة، تستندُ عليها في باحةِ بيتٍ ريفيٍّ قديم، حيث قهوتك وسجائرك متموضعتان قرب جذعي، وحيث تنساب روحك تحت لحائي، تنمو وتطفو كأغصانٍ خضراء وعصافير. صدّقتك، لا لأنك كنتَ بارعًا في القول، بل لأن قلبي كان مستعدًا لأن يكون مأوى، فكنتُ أفتح لك فصولي كما تُفتح النوافذ، وأتركك تتنقّل بين ظلالي كأنك تعرف الطريق منذ البداية. أحببتك لأنني مخلوقةٌ لأجل الحب، لأن الله مسح وجهي بالكلمات اللطيفة، وجعل لي قلبًا من زجاج، شفافًا حدّ الألم وهشًّا حدّ الانكسار، أراك من خلاله وأراك فيه، دون أن أنتبه أن الزجاج لا يكشف فقط… بل يعكس أيضًا ما نحاول تجاهله. لكنك لم تكن لتبقى؛ كنت تمرّ كاستراحةٍ مؤقتة، تستريح قليلًا ثم تمضي، تاركًا خلفك شجرةً تعلّمت متأخرة أن الظلال لا تحفظ أحدًا، وأن العصافير تغادر حين يتغيّر الفصل. في باريس، لم تعد الشجرة خضراء كما كانت، صارت تُسقط أوراقها في صمت، وتتعلم كيف تقف بلا انتظار، لم أعد مأوى ولا كتفًا لراحةٍ عابرة، بل جذعًا يعرف أن من يسكنه يجب أن يبقى… أو لا يأتي. وفي مساءٍ بارد، وقفتُ أمام المرآة أتحسس وجهي، أتساءل إن كانت الكلمات اللطيفة ما زالت تسكنه، أم أنها غادرته كما غادرتَ، فابتسمت، لا لأنني بخير، بل لأنني بدأت أفهم أن القلب الزجاجي لا يُخلق ليُكسر، بل ليعكس الحقيقة حين نتجرأ على رؤيتها، ولهذا لم أعد شجرةً تنتظر، ولا امرأةً تفتح أبوابها لكل عابر، بل صرت ظلًّا يعرف صاحبتَه، ويقف معها… حتى حين يختفي الضوء.