في البداية، تردد صوت "الإشعار" في أذنها يشبه قرع الطبول في احتفال صغير. ثم تحول، مع الوقت، إلى صوت مقصٍّ حاد يقص خيوطًا كانت تظنها متينة.
بدأ الأمر بـ "دعوة". لم تكن مجرد ندوة، بل اختبارًا للولاء. وحين اعتذر عن الحضور لانشغاله، جاءه الرد صمتًا طويلاً، ثم اختفت صورة "الكاتبة الكبيرة" من قائمة أصدقائه. تلك هي الرصاصة الأولى. لم يحزن، بل تعجب: "أليست الندوات للأدب، أم لتعداد الرؤوس في القاعة؟"
تصاعدت الأمواج حين طُلب منه السباحة في منطقة دوامات "التمجيد القسري". ظلت ترسل له نصوصها الواحد تلو الآخر، تنتظر منه قصائد عصماء في عبقريتها. لم يكن صمتُه تجاهلاً. لم تحتمل الصمت؛ فالحذف هنا لم يكن لشخصه، بل لفشل "المرآة" في عكس الصورة التي تحبها.
ثم جاءت "دعوة القصر". بيتٌ يفيض بالثراء، ولوحاتٌ معلقة تصرخ لطلب المديح. وحين رفض أن يكون جزءًا من ديكور "الصالون الثقافي" الفاخر، وحين أبدى زهدًا في "التقافز" بين طاولات المقاهي والمطاعم الفاخرة ليُقال "إننا هنا"، وجد نفسه خارج الدائرة مرة أخرى.
تلظى قلبها حين سار عكس اتجاهها:
ـ ستكون أكثر وسامة في الصور إن استمعت إليّ.
ـ لا؛ هذا ما يناسبني.
لم يكن الخلاف على "الذقن"، بل على "السيطرة". حين رفض أن يكون عجينة تشكلها رغبات الآخرين، صار عدوًا لـ "الذوق".
تلاحقت الأحداث كالانفجارات الصغيرة:
رفضَ أن يكون طرفًا في معركة "تلقيح" إلكترونية ضد زوجها، ثم رفضَ أن يمنح وقته لورشتها الإبداعية، ثم تجاهلَ منشورًا كتبته لا يحمل قيمة؛ (حذفته).
في المساء ذاته، جلس وحيدًا أمام شاشته. لم ينتبه إلى القائمة التي كانت تضم المئات، كيف تقلصت إلى هذا الحد؟! شعر للحظة بضيق، كأن العالم يلفظه. نظر إلى السماء قائلا:
"رب الحذف أحبّ إليّ، وإلا تصرف عني وهمهن ..."
نظر إلى حقيبة سفره الملقاة في ركن الغرفة، وتحسس أوراق روايته الجديدة، فشعر بخفة مفاجئة.
لم يكن الحذف "خسارة"، بل "جراحة" ضرورية للتخلص من زوائد جلدية تعيق حركته. أغلق هاتفه، وضع نظارته، وبدأ يكتب عما نجا منه بسلام، وعن السفر الذي لم يعد هروبًا.
بدأ الأمر بـ "دعوة". لم تكن مجرد ندوة، بل اختبارًا للولاء. وحين اعتذر عن الحضور لانشغاله، جاءه الرد صمتًا طويلاً، ثم اختفت صورة "الكاتبة الكبيرة" من قائمة أصدقائه. تلك هي الرصاصة الأولى. لم يحزن، بل تعجب: "أليست الندوات للأدب، أم لتعداد الرؤوس في القاعة؟"
تصاعدت الأمواج حين طُلب منه السباحة في منطقة دوامات "التمجيد القسري". ظلت ترسل له نصوصها الواحد تلو الآخر، تنتظر منه قصائد عصماء في عبقريتها. لم يكن صمتُه تجاهلاً. لم تحتمل الصمت؛ فالحذف هنا لم يكن لشخصه، بل لفشل "المرآة" في عكس الصورة التي تحبها.
ثم جاءت "دعوة القصر". بيتٌ يفيض بالثراء، ولوحاتٌ معلقة تصرخ لطلب المديح. وحين رفض أن يكون جزءًا من ديكور "الصالون الثقافي" الفاخر، وحين أبدى زهدًا في "التقافز" بين طاولات المقاهي والمطاعم الفاخرة ليُقال "إننا هنا"، وجد نفسه خارج الدائرة مرة أخرى.
تلظى قلبها حين سار عكس اتجاهها:
ـ ستكون أكثر وسامة في الصور إن استمعت إليّ.
ـ لا؛ هذا ما يناسبني.
لم يكن الخلاف على "الذقن"، بل على "السيطرة". حين رفض أن يكون عجينة تشكلها رغبات الآخرين، صار عدوًا لـ "الذوق".
تلاحقت الأحداث كالانفجارات الصغيرة:
رفضَ أن يكون طرفًا في معركة "تلقيح" إلكترونية ضد زوجها، ثم رفضَ أن يمنح وقته لورشتها الإبداعية، ثم تجاهلَ منشورًا كتبته لا يحمل قيمة؛ (حذفته).
في المساء ذاته، جلس وحيدًا أمام شاشته. لم ينتبه إلى القائمة التي كانت تضم المئات، كيف تقلصت إلى هذا الحد؟! شعر للحظة بضيق، كأن العالم يلفظه. نظر إلى السماء قائلا:
"رب الحذف أحبّ إليّ، وإلا تصرف عني وهمهن ..."
نظر إلى حقيبة سفره الملقاة في ركن الغرفة، وتحسس أوراق روايته الجديدة، فشعر بخفة مفاجئة.
لم يكن الحذف "خسارة"، بل "جراحة" ضرورية للتخلص من زوائد جلدية تعيق حركته. أغلق هاتفه، وضع نظارته، وبدأ يكتب عما نجا منه بسلام، وعن السفر الذي لم يعد هروبًا.