د. نورة بنيحيى - امرأة على نافذة الانتظار...

كانت تقف كل مساء عند النافذة، لا تنتظر أحدًا… لكنها في الحقيقة كانت تنتظر كل شيء.
اسمها ليلى. لم تكن جميلة بالمعنى الذي يتغنى به الناس، لكنها كانت تحمل في عينيها حكايات تكفي لتجعل أي قلب يتوقف لحظة ليصغي. كانت تؤمن أن الحب لا يأتي صاخبًا كما في الروايات، بل يتسلل بهدوء… كنسمة تعرف طريقها إلى الروح دون استئذان.
في أحد الأيام، دخل حياتها عمر… دون مقدمات، دون وعود، ودون حتى أن يدرك أنه سيغيّر شيئًا.
كان مختلفًا. لا يتحدث كثيرًا، لكنه حين يفعل، تشعر أن كلماته لا تُقال… بل تُحَس. جمعتهما صدفة في مقهى صغير، حين سقط كتابها أرضًا، فانحنى ليلتقطه قبلها. نظر إلى العنوان، ابتسم، وقال: "من يقرأ هذا النوع من الكتب… لا بد أنه يحمل قلبًا متعبًا."
رفعت عينيها نحوه، ولم تجب. لكنها شعرت، لأول مرة، أن أحدًا رآها… حقًا رآها.
تكررت اللقاءات. لم يتواعدا، لكن الصدفة كانت كريمة معهما. حديث هنا، ضحكة هناك، صمت طويل لا يحتاج تفسيرًا. ومع كل مرة، كانت ليلى تشعر أن شيئًا بداخلها يُرمَّم… ببطء.
لكن عمر… كان يخفي شيئًا.
في مساء بارد، حين كانت المدينة تلبس ضبابها، قال لها: "ليلى… أنا لست رجلًا يصلح للنهايات السعيدة."
ضحكت، ظنّت أنه يمزح. لكنه لم يكن يمزح.
أخبرها أنه سيرحل. عمله، ظروفه، حياته… كلها كانت تدفعه بعيدًا. لم يعد يعدها بشيء، ولم يطلب منها أن تنتظره. فقط قال: "لا أريد أن أؤذيك… لكني أعرف أني سأفعل."
في تلك اللحظة، شعرت ليلى أن قلبها، الذي بدأ يشفى، عاد لينكسر… ولكن هذه المرة بصمت.
لم تبكِ أمامه. فقط قالت: "بعض الأشخاص… لا نحبهم لأنهم سيبقون، بل لأنهم مرّوا."
رحل عمر. وبقيت ليلى.
عادت إلى نافذتها… لكن هذه المرة لم تكن تنتظر. كانت فقط تتذكر.
مرت الشهور، وتعلمت شيئًا قاسيًا وجميلًا في آن واحد: أن الحب لا يُقاس بالمدة، بل بالأثر.
وفي يوم ما، بينما كانت ترتب كتبها، وجدت ورقة صغيرة بين الصفحات… بخط عمر:
"لم أكن كاذبًا حين قلت إنني سأؤذيك… لكني كنت خائفًا أن أعترف أني أحببتك أكثر مما ينبغي."
ابتسمت ليلى… ولأول مرة منذ رحيله، لم تشعر بالحزن.
فبعض القصص لا تُكتب لتكتمل، بل لتُغيّرنا… ثم ترحل.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...