" اللعبة الجارية "


ثم أطاح "سعيد جبر" بيمينه برقعة الشطرنج – فجأة في عزّ اللعب الدائر – فتناثرت القطع بطول مقهى "الشوشاني" وعرضه. منها ما أصاب زبونًا ينتظر طلبه، ومنها ما وقع في الخارج؛ غاصت في عمِّة " حسّان" ماسح الأحذية الكهل الصعيدي؛ فلم يهتم أو يلتفت، فقط ظل في عالمه وصمته وترقبه للجهة الأخرى من الطريق.

كذلك طارت قطعة واستقرت بعرض الشارع ؛ فدهستها سيارة سرفيس – خط الصوفي. الفنية-؛ كانت تمر في نفس اللحظة أمام المقهى فتحطّمت.

لم يكن هناك ما يدعو لهذا التصرّف، لكن لـ"سعيد جبر" تصرّفات تخرج عن حدود المنطق – الذي نعرفه نحن –؛ لذلك رفعنا رؤوسنا إليه: منّا من أدار رأسه بعيدًا عن شاشة التلفاز والمباراة الجارية، ومنّا من ضحك، وتجهّم، وتشاغل، وتجاهل. لكنّنا جميعًا انقبضت صدورنا لهذا الفعل الذي لم يجرؤ أحد أن ينعته بالحُمق أو الرعونة.

لكنّي جرؤت، واقتربت من طاولته، وأعدت القطع الباقية لرقعة الشطرنج الخشبية – أذكر أنّها: ثلاثة عساكر، طابية سوداء، وزير أبيض، فيل أسود – وقلت له:

-مالك؟

أجاب في ضجر:

-من منّا يلعب بالآخر ويلهو؟

-قلت:

يا مولانا، الشطرنج لعبة اخترعها البشر، تسليةً للملوك قديمًا ولهوًا للرعية؛ تقليدًا لأسيادهم.

كنت أحدّثه؛ بينما كان ينقل عيناه بين الرقعة وما عليها، وبيني، لقد استغرق دقيقة ثم ارتفعت إلى ثلاث، بعدها عاد إليّ وقال:

-من يلهو بالآخر ويلعب معه؟

قلت في ضيق؛ وإن لم يغادرني الخوف:

-لا، مش فاهم، تقصد إيه؟

-لا شيء.

ثم عاد للعب بالقطع الباقية في شغف غريب؛ في مباراة مستحيلة، وأنا أنظر إليه في ضيق ودهشة، وكذلك "نبيل" الجرسون، والزبائن، وصاحب المقهى النائم على نفسه دومًا، حتى سائق السيارة الأجرة – خط أربعة – راح ينظر إليه في ضيق.

بينما اللعبة دائرة بكامل قوتها؛ تعبث بالجميع...

لم، لا تتوقف عند أحد لتسأله رأيه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...