سميرة بن عيسى - التّشابك الكمّي في فيزياء الأدب!

لم تكن قراءتي الأولى لـرواية "الخيميائي"، منذ سنوات، مجرد عبورٍ عفوي بين السّطور، بل كانت منعطفًا وجوديًّا حادًّا، أعاد تشكيل ذائقتي الروحيّة؛ حيث علمتني تلك الرّواية أكثر مما تتخيلون! علمتني كيف أهمل بصري لأفتح بصيرتي...وكيف أصيخ للأشياء من حولي حتى التّلاشي، وأقتفي أثر "الإشارات" بحرص من يقرأ قدرًا مسطورًا.

ففي هذا الوجود الرّحيب، لا مكان للصدفة العبثيّة، رغم أنوف دعاة "العبثية" الذين يغلقون نوافذ المعنى؛ لقد أيقنتُ تماما أن كل تفصيلٍ ــ مهما استصغرته العين ــ هو حلقة في سلسلة " الرّوح الكلية" وهذا جعلني أضع يدي على جوهر التّشابك بين الأدب والعلم، وتحديدًا فيما تسمّيه الفيزياء بـ" تأثير الفراشة"، حيث وجدتني ــ وأنا التي لم يكن تخصصي علميًّا يومًاــ أبحث في الفيزياء بنهم، علّني أجد إجابات شافية لكثير من التساؤلات التي اعترتني عبر رحلتي الخاصة.
وعبر رحلة الفتى سانتياغو الذي أدرك أن حركة بسيطة للرّمال، أو ظهور صقر في السّماء، لم يكن عبثًا، بل كان جزءًا من ميكانيكا كونية كبرى قرّر ألا يتجاهلها. لأنه ببساطة اقترب من المعنى الفيزيائي الذي يقول بأنّ رفرفة جناح فراشة في الصين قد يسبب إعصارًا في تكساس، هذا يعني أن أصغر فعل قد يغير مصير الكون!

ومن هنا تجدر الإشارة إلى مبدإٍ مذهلٍ في ميكانيكا الكم، يقول بأن "المراقب يؤثّر في التجربة"؛ أي أن مجرد رصدنا للجزيئات يغير سلوكها، وهذا يتقاطع مع تجربة سانتياغو (وكويلو من خلفه): فعندما تقرّر "الإصغاء" للكون بتركيز عالٍ، فإنك تغير علاقة الكون بك؛ إذ "الروح الكلّية" تستجيب لمن يراقبها باهتمام. وكويلو يقول: "عندما ترغب في شيء ما، فإن الكون كله يتآمر ليتيح لك تحقيق رغبتك". وهذا "التآمر الكوني" هو المعادل الأدبي لـ "التشابك الكمي" (Quantum Entanglement)، حيث تترابط الجسيمات ببعضها مهما بَعُدت المسافات.
حينها أدركت أن "سانتياغو" الراعي لم يكن ليجد كنزه لولا أنه آمن بأن حلمه "مرتبط" بحركة النجوم وجريان الماء... وهذا هو المعنى الأعمق لرفرفة الأجنحة؛ أننا كبشر، بكلماتنا وأحلامنا، نحن "الفراشات" التي تصنع أعاصير التغيير في هذا العالم!

ثمّ إنّني لم أدرك كنه الإصغاء بهذا التركيز الصّوفي المحض إلا بعد أن رافقتُ سانتياغو في رحلته المثيرة نحو تحقيق أسطورته الشخصية، ومن يومها فُتحت لي أبوابٌ وأسرارٌ مدهشة لا أريد التّحدث فيها الآن، وربّما لا أحد من الذين خبروا هذه الأسرار يرغب في التّحدث عنها مطلقا... لكنّني سأحدثكم عن شيء آخر تمامًا.

ها أنا اليوم، أعيد قراءة "الخيميائي" من جديد بوعي صقله الزّمن، فأبصر باولو كويلو وهو يشرع نافذة وجدانه المكتظّ بأفكارٍ تتلاطم كأمواج البحر الهادر، جالسًا أمام سطوة الورقة البيضاء، أو متمشيًا على أرصفة "كوباكابانا" البحريّة، حيث يشدّه حنينٌ جارف إلى شمس إسبانيا، تلك الشمس الأندلسية الدافئة التي تصبغ الروح بلون المغامرة... إذ بدأت ترتسم ملامح بطله "سانتياغو" من كرامات الماء؛ ذلك الراعي الذي لم يمتشق عصاه إلا شغفًا باكتشاف أقاصي الأرض، فارًّا من رتابة المستقرّ إلى رحابة السّفر. لقد كان كويلو هو الراعي ذاته، وإن لم يهشَّ على غنمٍ قط، فقد كان يرعى "قطعان الأحلام" في براري الخيال.
ولعلَّ أبهى تجليات الأمانة الإبداعية هي تلك الومضة التي أسرَّ بها كويلو، حين اعترف بأن طيف "سانتياغو" العجوز في رواية إرنست همنغواي "الشيخ والبحر" لم يبرح مخيلته؛ بعينيه الزرقاوين اللّتين تعكسان صفاء البحر وعمقه، وملامحه الرصينة التي نُقشت عليها حكايا الصبر والمجالدة. لقد اختار كويلو لبطله الاسم ذاته تيمنًا وتقديرًا، في لفتةٍ تُعدُّ اعترافًا باذخًا من أديبٍ فذّ تجاه أستاذه همنغواي، وهو ما يجسد أرقى صور "التّناص" الواعي؛ ذلك الذي لا يسلب النصّ نكهته، بل يمنحه عمقًا إنسانيًّا عابرًا للقارات.

إنّ هذا الانحناء الأدبي يطرح تساؤلًا جوهريًا حول أخلاقيات الكتابة اليوم: هل يمتلك أدباء العصر تلك الجسارة الأخلاقية للاعتراف بفضل المآثر السابقة؟ ففي زمنٍ طغت فيه "نرجسية الحداثة" والبحث عن أصالةٍ موهومة تنفي الآخر، بات من النّادر أن نجد كاتبًا يقرُّ بأنه "يقف على أكتاف العمالقة ليرى أبعد مما رأوا" ــ كما قال إسحاق نيوتن ذات يوم: "إذا كنتُ قد استطعتُ رؤية أبعد من غيري، فذلك لأنني وقفتُ على أكتاف العمالقة". وكما ذهب الجاحظ في بيانه حين قال: " والمعاني مطروحة في الطريق، يعرفها العجمي والقروي والمدني والبدوي، وإنما الشأن في إقامة الوزن، وتخيّر اللّفظ، وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفي صحة الطبع، وجودة السَّبك". فالعبرة بمن يسكب من روحه في القوالب لبعثها خلقًا آخر.

إن تلاقي "سانتياغو" الراعي بـ "سانتياغو" الصّياد هو برهانٌ على أن الأدب الرفيع رحلة واحدة، سواء كانت في فيافي الأندلس أو في عرض المحيط؛ رحلةٌ تنقب في جوهر الإنسان وتصقل معدنه. فما أحوج مشهدنا الثّقافي إلى هذا الرّقي، حيث لا يرى المبدع في اعترافه بفضل سلفه نقيصةً، بل رفعةً لشأنه، وتأكيدًا على أن شعلته ليست إلا قبسًا من نارٍ أوقدها قبله عظيم. فالعظمة لا تكمن في ادّعاء التّفرد المنقطع، بل في القدرة على الانتماء لسلالة المبدعين بامتنان، وصياغة الحكاية بروح العصر، ليظل الأدب نهرًا متدفقًا يغذّي بعضه بعضًا بفيضٍ لا ينقطع.
وللحديث بقية....

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...