رجل عادي

أنا رجل عادي...
عادي جدا..
أنا لا أكسب معاركي بصوتٍ عالٍ…
ربما تظنني خاسرًا ،لكن الحقيقة،أنني لست خاسرًا، كما أني لا أبدو منتصرًا، ذلك الانتصار المزيف الذي يراه معظم الناس.
كل ما في الأمر أنني فقط أتعامل مع معاركي بحكمة، أبتلعها.
نعم…أنا أبتلع معاركي!!
وفي ذلك اليوم، حين صرخت مني زوجتي في وجهي: — إنت ضعيف… طول عمرك ضعيف!
لم أكن أفكر في الرد، كنت أفكر في شيءٍ واحد فقط:
ألا ينكسر ابني أمام ما يحدث.
كان واقفًا عند باب غرفته، يحدق فينا بعينين مرتبكتين، كأن البيت بدأ يسقط فجأة أمامه.
وقتها فهمت أن المعركة ليست بيني وبينها
بل بيني وبين لحظة انهيار لا يجب أن تحدث.

***

أنا حسام الدين أيوب.
أعمل مساعدًا خاصًا لرجل في دائرة سياسية نافذة.
وظيفتي لا تشبه الوظائف العادية.
أنا لا أوقّع، ولا أراجع أوراقًا.
أنا مجرد طفاية حريق…
نعم، طفاية حريق، ولكنها بشرية.
كل يوم أتعامل مع رجال يعتقدون أن الصوت العالي هو السلطة، وأن الإهانة وسيلة تفاوض، وأن البشر أدوات يمكن ضغطها دون أن تنكسر.
وأنا… أبتسم.
نعم أبتسم…
لأنني لو فقدت هدوئي، للحظة فقط، سيتحول كل شيء إلى فوضى لا تُحتمل.
تعلمت مبكرًا أن الذكاء أحيانًا ، هو أن تصمت وأنت قادر على الرد.
في كل صباح، أقف أمام المرآة.
أربط رابطة عنقي،و أحاول أن أرتب داخلي قبل مظهري.
أنا أعرف أنني سأقابل بشرًا لا يرحمون، لكنهم يحتاجون من يمتص غضبهم، يطفئ حرائقهم، ويعيد ترتيب ما بعثروه.
وأحيانًا أسأل نفسي بصمت:
هل أنا قوي…أم مجرد شخص تعوّد أن يُجرح دون أن يصرخ؟

***

في العمل واجهت كل شيء....
رجل يصرخ في وجهي ويتهمني بالتقصير.
آخر يهدد لأنه لم يحصل على موعد.
ثالث يعتبر مجرد وجودي أمامه إهانة شخصية.
وأنا أرد دائمًا بنفس الطريقة: — حقك عليّا…
— مفهوم…
— حاضر يا فندم…

ليس لأنني بلا كرامة، بل لأن الكرامة في هذا العالم أحيانًا تُدار بعقل بارد، لا بانفجار.
وذات مرة سألني مسؤول كبير: حسام إنت إزاي بتستحمل الناس دي؟
قلت مبتسما : مش شغلي إني أرد عليهم… شغلي يا فندم إني أحافظ على النظام.

***

في البيت… كانت المعركة مختلفة.
منى زوجتي، لا ترى كم المسئوليات والأعباء التي أحملها على كاهلي ،و لا تدرك ماذا أدفع من صحتي وأعصابي حتى تعيش في هذا المستوى من الحياة الكريمة: سيارة،
خادمة،
ملابس فاخرة.

هي ترى فقط في كل ما أفعله خنوعًا لا يليق بزوجها.
كانت تقول لي: — حسام إنت إزاي بتسمح للناس تهينك؟

ثم تضيف ببرود قبل أن أرد: — أنا من عيلة كبيرة… أنا غلط إني تنازلت وتزوجتك.
وفي كل مرة كانت تقولها، كنت أشعر أن شيئًا بيني وبينها ينهار في صمت.

عائلتها حقا كانت تبدو “كبيرة...
أسماء شهيرة،أموال ،علاقات،لكن الداخل كان شيئًا آخر تمامًا... تفكك، علاقات مقطوعة ،صراعات على المال،المناصب، وكل فرد يعيش لنفسه فقط.

لكن منى لم ترَ هذا.
كانت ترى فقط الصورة من الخارج.
وكانت تحيا على فكرة أن القيمة تُقاس بالمال، السيارات الحديثة، العقارات، المجوهرات…
كل ما يلمع من الخارج في نظرها ذهبًا.
ومع الوقت بدأت أفهمها أكثر مما تفهمني.
كانت تخسر الناس بسرعة كبيرة... خالة،
ابنة عمة،
صديقة…
وكل علاقة تنتهي بجملة واحدة: الناس غيرانة مني.
أحيانًا كنت أقول لها بهدوء: مش معقول كل الناس غلط وإنتِ صح!!
فتنفجر: أنا مش زيك،ما تقبله أنت، أنا لا أقبله ، أنا عندي كرامة.
وكان النقاش ينتهي دائمًا هنا، لم تكن تناقش فكرة…
بل كانت تدافع عن صورة داخلها هي صنعتها، وترفض المساس بها.

***

في العمل، كنت أزداد ثباتًا.
الأزمات تكبر،الملفات تتعقد،والناس من حولي تتساقط تحت الضغط.
كنت أفهم شيئًا واحدًا...
أن الهدوء وسط العاصفة ليس ضعفًا… بل مهارة بقاء.
ومع الوقت، بدأ اسمي يُذكر أكثر،ليس لأنني الأذكي ولا حتى لكوني أبحث عن مكان أعلى…
بل لأنني كنت النموذج المثالي للشخص الذي لا ينهار تحت الضغط.
أنا طفاية حريق بشرية، حاضرة دائمًا.
أطفئ الأزمات،أهدئ الانفجارات ، وأجد مخارج حتى في أكثر اللحظات اختناقًا.

أحيانًا كنت ألجأ إلى المسكنات… حتى لو كانت وقتية، الزمن علمني أن بعض الحرائق لا يمكن إطفاؤها بالكامل، بل فقط منعها من التمدد.
***

منى لم تكن تفهم هذا العالم.
كانت ترى حياتي “ بسيطة، بل وربما تافهة ”، بينما كنت أعيش داخل دائرة ضغط لا تنتهي.
وكنت أعود كل ليلة محملًا بأشياء لا أستطيع قولها.
أجلس وحدي بعد أن ينام الجميع.
أفك ربطة عنقي ببطء،وأشعر أنني أخلع يومًا كاملًا من داخلي،ثم أبتلع أقراص دوائي: سكري،
ضغط، صداع مزمن، قرحة معدة، إلتهاب أعصاب.
وفي لحظات صمت طويلة… كنت أسأل نفسي:
هل أنا أعيش حياتي…أم فقط أؤجل انهياري ؟!
وهل تستحق الحياة كل هذا العبث المجنون؟

***

ثم جاء اليوم الذي تغير فيه كل شيء.
سقط المسؤول الذي أعمل معه.
اختفى الجميع..
تحقيقات،اتهامات، تزوير،اختلاس،استغلال نفوذ، وقائمة طويلة من التهم.
مراكز كبيرة سقطت…لكنني بقيت.
التعليمات جاءت : حسام الدين أيوب لا يسقط...
حسام أكثر شخص يفهم النظام من الداخل، لديه كل أسراره ويعرف كيف يمنع انهياره.
ومن هنا بدأت دائرة جديدة.
أسماء أكبر،مسؤوليات أعظم ،ودوائر نفوذ لم أكن أبحث عنها أصلًا.

لكن المفارقة الغريبة،أنني لم أتغير.
ما زلت أرى أن الحياة أبسط من كل هذا، وأنها لا تستحق هذا الكم من الصراعات والمشاحنات والعبث الفارغ.
لكن الآخرين بدأوا يرونني بشكل مختلف.
وفي البيت بدأت منى ترى ذلك أيضًا.
سيارات تأتي،أسماء تنتظرني،مكالمات لا تنتهي.
واحترام واضح من أشخاص كانت تراهم “كبارًا”.
ثم بدأ شيء جديد يظهر في عينيها....
الدهشة !!!

لكنها لم تكن دهشة فهم، بل دهشة فقدان التفسير.
وربما لم تكن المشكلة فيما تراه…
بل في قدرتها على الاعتراف أن ما كانت تستهين به يومًا، كان أقرب إلى الحقيقة أكثر بكثير مما ظنت.

***

وفي إحدى الليالي انفجرت :
— إنت منافق… حقير متلون.
سمعت صوت ابني يبكي.
لحظتها تجمد كل شيء.
شعرت فجأة أنني لم أعد أستطيع الاستمرار...
الأمر هنا لم يعد يصلح معه أي مسكنات…
أو طفاية حريق بشرية.
تركت البيت.
غادرت دون كلمة واحدة.
كنت هادئًا جدًا…بينما كانت هي في منتهى الثورة.
تضحك تارة،
وتبكي تارة أخرى،لكنها أعلنت للجميع، بكل غطرسة، أنها قد تخلصت من عبء كبير… ومن عار زواجها ممن لا يليق بها.

***

وأنا… لم أعد نفس الرجل الذي يخرج كل صباح فقط ليبتلع العالم.
أرسلت لها مبلغًا يكفي نفقة البيت عدة أشهر.
ثم غرقت أكثر في العمل.
لكن رغم كل شيء… لم أستطع أن أفصل نفسي تماما عنها،فقد كنت أتابع أخبارها بصمت.

حتى جاءت الضربة الأولى:
تم القبض على أخي مني ، في قضية مالية معقدة.
وخلال أيام اختفى الجميع... الأصدقاء،
الأقارب،
وأصحاب النفوذ الذين كانت العائلة تتباهى بهم.

ثم جاءت الضربة الثانية.
ابني سقط في الامتحان.

كنت أعرف أنه ليس ضعيفًا، لكن البيت كان ينهار حوله ببطء.
ثم مرضت حماتي ، قال الأطباء أنه يلزمها إجراء عملية قلب خطيرة تحتاج مبلغًا ضخمًا.
وهنا فقط بدأت منى ترى العالم الحقيقي.
في تلك الأيام كانت تتحرك داخل البيت كأنها تبحث عن شيء فقدته، دون أن تعرف كيف اختفى.
الحجرات بدت أصغر.
الجدران كأنها تضغط عليها،والبيت نفسه صار أضيق.
كانت تبحث عن سبب واحد يجعل كل ما حدث مفهومًا.
حتى صورتها القديمة عن نفسها بدأت تتآكل بهدوء،
انطفاء تدريجي… يشبه ضوءًا اكتشف فجأة أن مصدره الحقيقي لم يعد موجودًا.
وللمرة الأولى… وجدت نفسها وحدها تمامًا، تواجه النيران التي أشعلتها بنفسها، دون وجود أحد يطفئها.

***
ذهبت إلى مدرسة ابني.
كنت غاضبا ولكني لم أظهر ذلك، كما أنني لم
أستخدم نفوذي بطريقة فجة.
دخلت بهدوء كعادتي.
لكن الوجوه ارتبكت فور رؤيتي.
خرجت المديرة بنفسها: الباشا الكبير حسام الدين أيوب؟!
قلت بهدوء: أنا جاي أراجع ورق إجابة امتحان ابني.
قالت :
معقول يا باشا ،الشرف الكبير ده، ابن حضرتك طالب عندي في المدرسة ؟
جلسنا ساعات نراجع الدرجات.
درجتان سقطتا في الفراغ.
وسؤال لم تقرأ إجابته كما ينبغي.
وإجابات عديدة، احتملت أكثر من معنى.
وأعدنا التصحيح…
ونجح ابني.
وحين خرجت من مكتب المديرة، كان ابني يبكي ويضحك في الوقت نفسه.
احتضنته بقوة…و شعرت أن العالم، رغم كل ثقله، يمكن أن يصبح خفيفًا للحظة واحدة.

***

ثم جعلت أتحرك في ملف أخي منى.

القضية لم تكن سهلة على الإطلاق.
لكنني كنت أعرف جيدًا كيف تسير الأشياء في هذا البلد.
محامون.
اتصالات.
أبواب مغلقة فُتحت دون ضجيج.

وخلال أيام خرج الرجل بأقل الخسائر الممكنة.

أما حماتي، أم منى…فنقلتها إلى مستشفى كبير،وأنهيت كل إجراءات علاجها على نفقة الدولة.
قالوا : لا تستحق.
لكنني أقنعتهم بهدوء أنها تستحق.
دون ضجيج، دون أن أطلب شكرًا من أحد.

***

بعد عدة أيام جاءت منى إلى مكتبي....
رجال حراسة،كاميرات،صحفيون،وصمت ثقيل يسبق حضوري.
هي أشياء مظهرية، لا تعنيني كثيرا ،ولم أضع يوما لها بالا قط ،ولكن مني وقفت في مكانها لا تتحرك.

تراقبني كأنها ترى شخصًا لا تعرفه،كان كل ما حولها، يتحرك باسمي… إلا هي،وحين دخلت مكتبي جلست طويلًا ،ثم قالت أخيرًا: لما كل شيء وقع… ما كانش في حد واقف غيرك.
رفعت عيني إليها، ولم أنبس بكلمة
فقالت بصوت أهدأ، لكنه مكسور: يمكن… أنا ما كنتش شايفة صح.
ثم صمتت.
لم تعتذر.
ربما لأن كثير من الاعتذارات تكون أكبر من قدرة بعض البشر.
أما أنا…فلازلت نفس الشخص العادي..
العادي جداً.
أنا حسام الدين أيوب
ذلك الرجل الذي يرى أن الحياة لا تستحق كل هذا العبث.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...