كانت الأرض الممتدّة إلى مرمى البصر، جرداء يابسة، كريهة المنظر، لم ينبت فيها شيء، اللهم إلّا أعشابٌ يابسةٌ تفرَّقت هنا وهناك، تكرَّمت بها يد الطبيعة على استحياء، فزادت الصورةَ وحشة وقتامة. وكانت المرأة المُلتاعة، تقف في الخارج قرب الباب القديم المتهالك، تنظر بوله إلى الطريق، وقد تساقطت أدمعُها، بينما كان زوجها جالسًا عند الطاولة داخل البيت، يطالعها من الباب المفتوح بشفقة ممزوجة بالسخريّة.
قال بضيق شديد:
- ادخلي، ادخلي يا امرأة، لا تقتليني.
ردَّت والألم يعتصر قلبها:
- سيأتي، أخبرتني العجوز أنّه سيًأتي في أيَّة لحظة.
هزّ رأسه، يأسًا وخيبة، إنَّها تعيش على الأوهام، تقف طوال اليوم عند الباب، بانتظار حلمٌ لن يتحقَّقْ. قام متثاقلًا، فأسند ظهره لإطار الباب، وأخرج علبة السجائر وأشعل واحدة، انتشر دخانها، فلفت انتباه المرأة:
- هذا ما أنت فالح فيه.
فقال:
- وماذا أفعل يا امرأة؟ ماذا بيدي ولم أفعل؟
من بعيد لاح شبح امرأة عجوز، المشعوذة نفسها التي لا تكفُّ عن سرقة جيبه، اندفع إليها، وقد بلغ الغضب به منتهاه، نهرها وأمرها بالانصراف، فذهبت وفمها لا يكفُّ عن شتمه، والدعاء عليه بالويل والثبور.
رجع إلى زوجته، فوجدها ثائرة غاضبة، حاولت أن تقول شيئا، لكنَّ العَبرة خنقتها. اندفعت إلى الداخل، وألقت بنفسها على الكرسي، وخبّأت وجهها فوق الطاولة، واسترسلت في نوبة بكاء.
جلس مقابلًا لها، عاجزًا عن فعل شيء. لقد شاخت، تراجعت صحّتها، وخفّ عقلها، حتّى لجأت للمشعوذات ومفسّري الأحلام، لهؤلاء الذين يشيّدون لها ما شاءت من آمال، مقابل التهام كلَّ درهم لديه. لكنّه ضاق ذرعا بهذه الحال، لقد مرّت ثلاثة أعوام منذ أن اختفى الولد، ولم يعد يحتمِل مزيدا من الآلام.
تسَارعتْ نبضات قلبه، قبل أن يقول:
- اسمعِيني.
اعتصمت بالصمت، فعاود القول بصوت أقرب إلى الصُّراخ:
- اسمَعيني.
رفعت رأسَها عن الطاولة، وقد تبلّل وجهها بالدُّموع، فأحسَّ بوخزة شديدة في قلبه، لكنُّه لم يتراجع، وقال كمن يلقي بنفسه إلى البحر:
- لا تنتظريه، إنُّه لن يعود.
استمرَّت في البكاء، دون أن يطرأ أيُّ تغيُّر على ملامِحِها، غير أنَّه أعاد القول بحِدَّة:
- لقد مات! ولدنا الوحيد مات.
جحظت عيناها، فواصل القول بمرارة، وجسمه يهتزُّ تأثُّرًا:
- أجل، لقد وسَّدته التراب بيديَّ هاتين، ولم يكن وحده من مَات، جميع من كانوا يعملون معه في المصنع ماتوا، ولم يتبقَّ منهم أحد. وأضاف وهو يلهث: لقد أخفيت عنكِ الحقيقة شفقة بك، وقد أخطأت، جعلتك تعيشين على أمل زائف، أنا آسف جدًا.
ثمّ قال وهو يضرب الطاولة بقبضة يده:
- كان علي أن أخبرك الحقيقة، نعم، كان علي ذلك.
تجمَّدت ملامحها، مثل خشبة يابسة لا حياة فيها، وكادت أن تفقد وعيها، لولا أن سمعت صوت العجوز يرتفع مرّة ثانية، فاندفعت إلى الخارج، وهي تقول:
- أنت كاذب.
هزَّ رأسه مرَّة ثانية، موقنًا أنَّ عذابه لن ينقضيَ.
قال بضيق شديد:
- ادخلي، ادخلي يا امرأة، لا تقتليني.
ردَّت والألم يعتصر قلبها:
- سيأتي، أخبرتني العجوز أنّه سيًأتي في أيَّة لحظة.
هزّ رأسه، يأسًا وخيبة، إنَّها تعيش على الأوهام، تقف طوال اليوم عند الباب، بانتظار حلمٌ لن يتحقَّقْ. قام متثاقلًا، فأسند ظهره لإطار الباب، وأخرج علبة السجائر وأشعل واحدة، انتشر دخانها، فلفت انتباه المرأة:
- هذا ما أنت فالح فيه.
فقال:
- وماذا أفعل يا امرأة؟ ماذا بيدي ولم أفعل؟
من بعيد لاح شبح امرأة عجوز، المشعوذة نفسها التي لا تكفُّ عن سرقة جيبه، اندفع إليها، وقد بلغ الغضب به منتهاه، نهرها وأمرها بالانصراف، فذهبت وفمها لا يكفُّ عن شتمه، والدعاء عليه بالويل والثبور.
رجع إلى زوجته، فوجدها ثائرة غاضبة، حاولت أن تقول شيئا، لكنَّ العَبرة خنقتها. اندفعت إلى الداخل، وألقت بنفسها على الكرسي، وخبّأت وجهها فوق الطاولة، واسترسلت في نوبة بكاء.
جلس مقابلًا لها، عاجزًا عن فعل شيء. لقد شاخت، تراجعت صحّتها، وخفّ عقلها، حتّى لجأت للمشعوذات ومفسّري الأحلام، لهؤلاء الذين يشيّدون لها ما شاءت من آمال، مقابل التهام كلَّ درهم لديه. لكنّه ضاق ذرعا بهذه الحال، لقد مرّت ثلاثة أعوام منذ أن اختفى الولد، ولم يعد يحتمِل مزيدا من الآلام.
تسَارعتْ نبضات قلبه، قبل أن يقول:
- اسمعِيني.
اعتصمت بالصمت، فعاود القول بصوت أقرب إلى الصُّراخ:
- اسمَعيني.
رفعت رأسَها عن الطاولة، وقد تبلّل وجهها بالدُّموع، فأحسَّ بوخزة شديدة في قلبه، لكنُّه لم يتراجع، وقال كمن يلقي بنفسه إلى البحر:
- لا تنتظريه، إنُّه لن يعود.
استمرَّت في البكاء، دون أن يطرأ أيُّ تغيُّر على ملامِحِها، غير أنَّه أعاد القول بحِدَّة:
- لقد مات! ولدنا الوحيد مات.
جحظت عيناها، فواصل القول بمرارة، وجسمه يهتزُّ تأثُّرًا:
- أجل، لقد وسَّدته التراب بيديَّ هاتين، ولم يكن وحده من مَات، جميع من كانوا يعملون معه في المصنع ماتوا، ولم يتبقَّ منهم أحد. وأضاف وهو يلهث: لقد أخفيت عنكِ الحقيقة شفقة بك، وقد أخطأت، جعلتك تعيشين على أمل زائف، أنا آسف جدًا.
ثمّ قال وهو يضرب الطاولة بقبضة يده:
- كان علي أن أخبرك الحقيقة، نعم، كان علي ذلك.
تجمَّدت ملامحها، مثل خشبة يابسة لا حياة فيها، وكادت أن تفقد وعيها، لولا أن سمعت صوت العجوز يرتفع مرّة ثانية، فاندفعت إلى الخارج، وهي تقول:
- أنت كاذب.
هزَّ رأسه مرَّة ثانية، موقنًا أنَّ عذابه لن ينقضيَ.