فتح بين إرث التحرر الوطني ومنعطف التحول الحزبي: هل يقود المؤتمر الثامن إلى إعادة البناء أم إلى تغيير الهوية؟

فتح بين إرث التحرر الوطني ومنعطف التحول الحزبي: هل يقود المؤتمر الثامن إلى إعادة البناء أم إلى تغيير الهوية؟

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

تعيش حركة فتح، بوصفها الحركة الوطنية الفلسطينية الأكبر وصاحبة الدور المركزي في إطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة، لحظة مفصلية قد تكون من أخطر محطاتها منذ انطلاقتها عام 1965. فالمؤتمر العام الثامن، المنتظر باعتباره محطة تنظيمية وسياسية كبرى، لا يُنظر إليه باعتباره مجرد استحقاق داخلي لتجديد الهيئات القيادية، بل باعتباره اختبارًا حقيقيًا لهوية الحركة ووظيفتها التاريخية: هل تبقى حركة تحرر وطني تقود المشروع الوطني الفلسطيني، أم تنزاح تدريجيًا نحو نموذج الحزب السياسي المدني التقليدي؟

فتح: من الثورة إلى المؤسسة

نشأت فتح كحركة تحرر وطني جامعة، استطاعت أن تستقطب مختلف الشرائح الاجتماعية والفكرية تحت راية الكفاح الوطني. لم تكن حزبًا أيديولوجيًا مغلقًا، بل إطارًا وطنيًا مفتوحًا جمع العامل والفلاح، الطالب والمثقف، اللاجئ ورجل الأعمال، المقاوم والدبلوماسي، ضمن هدف مركزي هو تحرير فلسطين واستعادة القرار الوطني المستقل.

غير أن التحولات التي أعقبت اتفاق أوسلو، وقيام السلطة الوطنية الفلسطينية، أفرزت واقعًا جديدًا نقل الحركة تدريجيًا من ساحات الثورة إلى مؤسسات الحكم، ومن منطق التحرير إلى منطق الإدارة، ومن أولويات النضال الوطني إلى متطلبات البيروقراطية والسلطة. ومع مرور الوقت، بدأت البنية التنظيمية للحركة تتبدل، كما تبدلت قواعد النفوذ والتأثير داخلها.

المؤتمر الثامن: محطة تنظيمية أم إعادة تعريف للحركة؟

المؤتمر الثامن يأتي في ظرف بالغ التعقيد: تصاعد الاستيطان، الحرب المفتوحة على غزة، محاولات حسم الصراع في الضفة الغربية، استهداف المخيمات، تآكل مكانة السلطة، وتراجع الثقة الشعبية بالنظام السياسي الفلسطيني. وفي ظل هذه التحديات، كان من المفترض أن يشكل المؤتمر فرصة لإعادة بعث المشروع الوطني وتجديد الحركة على أسس نضالية وديمقراطية.

لكن المؤشرات المتداولة بشأن تركيبة المؤتمر، وطبيعة العضوية، وآليات التمثيل، توحي بأن ثمة تحولًا بنيويًا يجري داخل الحركة. فالتنوع الطبيعي داخل فتح مطلوب ومشروع، غير أن تغليب حضور النخب الاقتصادية، وازدياد تأثير طبقات رجال الأعمال، وانضمام شرائح ليبرالية رأسمالية ذات رؤية مدنية محضة، قد يؤدي إلى إعادة تشكيل أولويات الحركة وبرنامجها السياسي والاجتماعي.

من الحركة الجامعة إلى الحزب المدني؟

إن دخول عناصر ليبرالية ورأسمالية إلى بنية فتح ليس بحد ذاته خللًا، فالحركات الكبرى تستوعب التنوع الاجتماعي. لكن الخطر يكمن حين يصبح هذا التيار هو المهيمن، وحين تُدار الحركة بمنطق المصالح الاقتصادية، والتحالفات البيروقراطية، وإدارة السلطة، بدل منطق التحرر الوطني والمقاومة الشعبية والصمود الاجتماعي.

عندها تنتقل فتح تدريجيًا من كونها حركة تحرر وطني إلى حزب سياسي يغلب عليه الطابع المدني الحزبي، يهتم بإدارة الشأن العام والمنافسة على النفوذ، أكثر من اهتمامه بقيادة معركة التحرر الوطني. وهذا التحول، إن ترسخ، ستكون له تداعيات عميقة على مجمل الحالة الفلسطينية، لأن فتح لم تكن يومًا مجرد تنظيم حزبي، بل كانت الحامل الرئيسي للهوية الوطنية الفلسطينية المعاصرة.

تداعيات التحول على المشروع الوطني

إذا فقدت فتح بعدها التحرري، فإن القضية الفلسطينية ستدخل مرحلة فراغ سياسي خطير، لأن النظام السياسي الفلسطيني كله تشكل تاريخيًا حول دور الحركة ومكانتها داخل منظمة التحرير الفلسطينية. كما أن انزياحها نحو نموذج الحزب التقليدي قد يعمق الانقسام الداخلي، ويزيد الفجوة بينها وبين الشارع الفلسطيني، خاصة في أوساط الشباب والمخيمات والطبقات الشعبية التي دفعت أثمان النضال لعقود.

كما أن هيمنة الطابع الليبرالي الرأسمالي قد تضعف البعد الاجتماعي للحركة، في وقت يعاني فيه الشعب الفلسطيني من البطالة والفقر والحصار وتآكل الطبقة الوسطى، الأمر الذي يستدعي خطابًا وطنيًا اجتماعيًا جامعًا، لا خطابًا نخبويًا منفصلًا عن معاناة الناس.

ما المطلوب من المؤتمر الثامن؟

المطلوب من المؤتمر الثامن ليس فقط انتخاب لجنة مركزية أو مجلس ثوري جديد، بل الإجابة عن سؤال تاريخي: ما هي فتح اليوم؟ وما دورها غدًا؟

فإن أرادت الحركة استعادة مكانتها، فإن ذلك يتطلب:- إعادة الاعتبار لهويتها كحركة تحرر وطني. تجديد بنيتها الداخلية ديمقراطيًا، بعيدًا عن المحاصصة ومراكز النفوذ. تمكين الشباب والكوادر الميدانية وأبناء المخيمات والأسرى المحررين. صياغة برنامج وطني مقاوم يجمع بين النضال الشعبي والعمل السياسي. الحفاظ على البعد الاجتماعي والعدالة الداخلية في مواجهة تغول رأس المال السياسي.

الخلاصة

إن المؤتمر الثامن لحركة فتح ليس حدثًا تنظيميًا عابرًا، بل محطة قد تحدد مصير الحركة وموقعها في التاريخ الفلسطيني. فإما أن يكون بوابة لاستنهاض فتح كحركة تحرر وطني متجددة، قادرة على قيادة الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال، وإما أن يتحول إلى نقطة انعطاف تكرّس انتقالها إلى حزب سياسي مدني محدود الوظيفة والأفق.

وما بين هذين الخيارين، لا يتحدد مستقبل فتح وحدها، بل يتحدد جزء كبير من مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني نفسه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...