استقالة عم عبده
قصة قصيرة: أحمد رجب شلتوت
كلنا نعرف عن "عم عبده" صراحته وشجاعته في قول الحق، ونقول أن الله أكرمه بنفس لوامة، فإن أدرك خطأه يعترف به، ويعتذر عنه، ويجاهد نفسه حتى لا يعود إليه، لكن عيبه، والطبيعي ألا يخلو أحدنا من العيوب، أنه أحيانا يترك نفسه لسورة الغضب فيبدو _ كما رأيناه جميعا عصر اليوم _ شديد الغشم. إذ علا صوته وهو يسب بألفاظ لم يسبق أن سمعناها منه، وكان يصرخ وهو يضرب جماعته الست أم جمال.
بدا وكأنه في حلبة ملاكمة، لم يركلها مثلا أو يصفعها كما قد نفعل جميعا، ولكنه ضربها بالبوكس عدة ضربات، ومنعنا الخجل أو لنقل الحرص من محاولة الفصل بينهما، فلو اقترب منهما أحدنا وقت العراك، قد يصور له الشيطان أن المقترب ينوي استغلال الموقف ليلمس جسد حرمه المصون، لذلك اكتفينا بالفرجة ومطالبته بأن يتركها وليصفي حسابه معها في البيت بهدوء. لكن الغضب أصمه وأعماه، فلم يرنا ولم يسمع لنا، واستمر يكيل لها اللكمات، وهي تفادت أغلبها بمهارة، لكن ما أصابها كان كفيلا بأن يسقطها أرضا، وربما يقتلها لولا بنيتها مفرطة القوة، لكنها رغم صمودها لعدة بوكسات انهارت مع أول ضربة من الرأس الصعيدي.
***
"عم عبده" اسمه الحقيقي "عبدالغني عبدالغني شهبور"، هو وأبيه لهما نفس الاسم ونفس الكُنية "الصعيدي" يقول كبارنا أن جده نزل القاهرة إثر رحلة نيلية شاقة مصطحبا زوجا وطفلين، حطوا الرحال غير بعيدين عن مقام "سيدنا الحسين" لكن أصغر الطفلين لم تحتمل صحته الضعيفة عناء السفر فزاد مرضه وفشلت محاولات علاجه، ولما فاضت روحه بكى شهبور وتشاءم من سكنه، وغادره إلى حجرة بالطابق الأرضي في منزل قريب من مقام "السيدة زينب"، وبعد شهور لحقت الأم بابنها فارتحل شهبور بابنه البكر عبدالغني وتنقل بين عدة أماكن بحسب ظروف العمل وقيمة الإيجار حتى استقر في بيت قريب من حارة الشماشرجي بالمغربلين.
هناك نشأ الطفل وكبر وتزوج وأنجب أولادا منح أكبرهم اسم "عبدالغني" ليس لأنه كان معجبا باسمه ولكنه رأى في ذلك نوع من شكر ربه الذي أغناه وأفاض عليه من نعمه، فاشترى البيت الذي تربى في طابقه الأرضي وهدمه وبنى مكانه بيتا آخر لازال يسكنه عبدالغني الابن حتى اليوم، عبدالغنى لم يتم تعليمه ويسافر إلى الخليج ثم يهجر الحارة والدرب الأحمر كله بعد العودة، كما فعل إخوته الأصغر منه، هو للحق رجل أصيل، لم يترك أبيه وساعده في إدارة الدكان الذي كان يبيع كل شيء، وهو نفس الدكان الذي شهد عصر اليوم معركته مع الست أم جمال.
عبدالغني الابن قبل أن يصبح "عم عبده" كان يفيض شهامة وشقاوة، أدرك الشبه الشديد في البنية والملامح مع المغني محمد قنديل فحفظ أغانيه ولم يكف عن ترديدها، كان يدرك أن صوته منزوع الحلاوة، فكان لا يهمس لنفسه بالأغاني إلا حينما تمر من أمام الدكان الجميلة التي أحبها، لحظتها يعلو صوته مغنيا:
_ يا حلو صبح يا حلو طل، يا حلو صبح نهارنا فل
لم يكن ينتبه للمارة لا للوقت ويطالب الحلو دائما بأن يصبح، وفي مرة سمعه عبدالغني الأب فضحك قائلا:
_ يصبح بعد العشا يا حمار، اقفل الدكان ويلا نروح
لم يكتف عبدالغني بترديد أغاني قنديل ولكن حاول تقليدها، فكتب أغنية أسر لأبي باعتباره أقرب الأصدقاء بكلماتها:
_ بعد دكانتنا بشارع كمان، حلو ساكن من زمان، أنا بحبه من زمان، واسمه بهيجة حسين عثمان
لحظتها ضحك أبي قائلا له: "ما تقول كمان رقم بطاقتها"، ونصحه بأن يدخل البيت من بابه، بالفعل طلب من أبيه أن يخطبها له فرفض ليس لعيب في البنت، ولكن لعيوب في أبيها شيخ الحارة، باختصار هو رجل لا يحبه أحد، يعرفون أنه مؤذي وإن شيخ الحارة ليست وظيفة ولكن قناع لمن يعمل مرشدا للبوليس وإنه يتربح منها إما بقبض أموال من المشبوهين حتى لا يبلغ عنهم أو مقابل التواطؤ مع مؤجري الشقق المفروشة، ولأن الحرام لا ينفع فقد نزع الله البركة مما كسبه حسين عثمان من أموال فمات مريضا معدما.
المهم الحاج عبدالغني شهبور ركب دماغه الصعيدي، ورفض وساطات الأصدقاء والجيران، أقسم ألا يضع يده في يد البصاص، لكن في النهاية حنث في قسمه ووضع يده في يد حسين عثمان، يومها اتهم أبي بتحريض صديقه على ترك البيت والدكان، أبي وهو يحكي لي أقسم بأنه لم يحرضه وحتى لم يعلم بنيته في الطفشان، فوجئ مثل الجميع باختفائه، وشاركهم في البحث عنه، لكن معرفته بأسرار صديقه جعلته يخمن أين يجده، رافق الباحثين إلى حيث توقع، ورأوه يدفع عربة التين الشوكي ويصيح بصوته الأجش:
_ أبو حلاوة يا تين
عانقه الأب ثم عنفه ثم لامه قبل أن يلين ويعلن موافقته على الخطوبة، لكنه ظل على عبوسه لسنوات فلم يغيره فرح ابنه ولا ولادة طفلتين، لم يضحك إلا مع المولود الثالث، أصر على تسميته "جمال"، حمله بين يديه وقبله ووضع في ملابسه حفنة جنيهات قبل أن يرده لأمه قائلا:
_ تعيشي وتربي يا أم جمال
***
مشكلة "عم عبده" الحقيقية سببها أنه لم يعد قانعا راضيا بما حصل عليه، يبرر طمعه بعدم الاطمئنان إلى المستقبل، استغل موسم الانتخابات ونزول المرشحين إلى الشارع، وطلب من مرشح الحزب أن يعينه في وظيفة تضمن له معاشا إن اضطر للتخلي عن الدكان، واتسعت ابتسامته وهو يضيف:
_ يا ريت سيادتك تكون الوظيفة في التليفزيون
ولم يجد النائب صعوبة في تلبية الطلب الذي وصفه بالبسيط، فكان عم عبده يغادر الحارة صباح كل يوم ليباشر مهام وظيفته كعامل أسانسير في مبنى الإذاعة والتليفزيون، وترك مهمة فتح الدكان ومباشرتها للست أم جمال، وكان في المساء يسهر قليلا، وكنا كعادتنا يخرج كل منا بكرسيه خارج دكانه وتتقارب الكراسي ليتصل حبل السمر ولم يكن يقطعه إلا قدوم زبون ما، فيقوم أحدنا لتلبية الطلب ثم يعود إلى مجلسه، ليسمع حكايات عم عبده عن المذيعين والممثلين الذين يصعدون معه الأسانسير يوميا.
***
قلت لكم إن مشكلة عم عبده الحقيقية في عدم رضاه بما قسم الله له، فبعد ثلاثة شهور فقط من وظيفته طمع في المزيد، قال لنا مرة إن الفكرة شعشعت في دماغه وهو سهران في البيت مع الولاد وأمهم، شافوا حلقة من "ليالي الحلمية" وسألوا أبوهم عن الأحداث والشخصيات وهل هي حقيقية أم اخترعها المؤلف، فالرجل قال لهم " لا أعلم"، والست أم جمال ترحمت على أبيها وقالت:
_ لو كان جدكم الباشا عايش كان قال لكم الحقيقة، الله يرحمه كان يعرف كل حاجة
عم عبده فوت لها حكاية الباشا ومحبش يجر شكلها، وفكر في حاجة تاني خالص، فعلا حسين عثمان كان يعرف حاجات كتير، وكان يسجل كل ما يعرفه، ليس فقط في بلاغات لضباط المباحث ولكن في أجندات احتفظ بها، كل أسرار الحارة وفضائحها بيتا بيتا، سجلها الرجل في أجنداته، من أيام الكتابة بالقلم الكوبيا وحتى عصر القلم الجاف وهو يدون ويملأ الدفاتر، يبدو أنه لسبب ما كان يجد نفسه مضطرا للتخلص من بعض دفاتره، فلما فتح الورثة سحارة الكنبة البلدي لم يجدوا إلا أربع عشرة أجندة فقط، وملف به أوراق مفردة، فتنازلوا عن حقهم في الكنبة وما حوته للأخت الكبرى بهيجة.
عم عبده كان أيضا حسن النية أو شديد الثقة في السيدة حرمه فباح لها بالفكرة، تفتح السحارة وتخرج الأجندات، وهو يقرأ الأسرار ويصنع منها مسلسلا عديد الأجزاء مثل ليالي الحلمية، أكد لها أن المخرجين والممثلين كلهم أصحابه، يصعدون معه الأسانسير يوميا، وسوف يرحبون بالفكرة، كل المؤلفين يفعلون ذلك.
لم ترحب بالفكرة، هي لا تثق أصلا في قدراته كمؤلف، وتخجل من عمله بأسانسير التليفزيون، فتلك وظيفة لا تليق باسم عائلة أبيها، كتمت هذا الخبر عن أقاربها وحكت لبناتها أن جدهم الباشا لو كان حيا لطلقها منه، وهو لم ييأس وكلما انفرد بها أعاد المحاولة وهي لا تلين، فلما عاد اليوم وقابلته عندما دخل الدكان بابتسامة أردفتها بسندويتش جبنة رومي يصطبر به على الجوع، طمأنته أن الأكل جاهز فقط ستقوم بتسخينه، وهو رجاها أن تأتي له بالأجندات بعد الغداء، ضاقت بإلحاحه وعنفته، أكدت على أنها لن تفرط في ريحة أبيها ولن تكشف أسراره، وإن أراد الحصول على دفاتر الباشا فليرجع لأصله وأصل أهله ويسرقها.
علا صوتها وأعادت كلامها لتتأكد من وصوله لأسماعنا، عندئذ تبدل الرجل، لم يعد الحاج عبده الذي نعرفه، صدرت عنه أصوات كرغاء الجمل، بصعوبة استطعنا تمييز بعض كلامه، يشتم أبيها البصاص، قال أنه مات من الجوع، وأنه كان يرمي بلاه على الفرن ليمنحوه يوميا رغيفين إحسان وصدقة، ثم يجلس بجوار حائط "البيباني" ليأكلهما على ريحة الكباب، اتهم الرجل بأنه كان يقصد المسجد الأزرق كل يوم جمعة ليس ليصلي وإنما ليتسول من المصلين، كانت كالمصعوقة، تسمعه غير مصدقة، فلما حكى عن التركي المفلس الذي ملأ القلل بالماء وجعلها سبيلا للعطشى، فإن أمسك أحدهم بقلة أمره أن يشرب من غيرها، أكد على أن التركي صاحب القلل هو جدها عثمان.
ردت بأن جدها الباشا أفضل من جده الذي جاء من الصعيد عائما فوق بلاص مش، عندئذ وجه لها أول بوكس، ولم يستطع أن يوقف نفسه حتى سقطت أمامه، رآها تترنح، ثانيتين وارتطمت بالأرض، انحنى ليمسك بها فوجدها غائبة عن الوعي، حملها إلى داخل الدكان، تبعناه لنراها ترتجف وتفيق حينما صب فوق رأسها جردل الماء، مسحت الماء عن وجهها وهي تتباكي وتلومه:
_ بقى كده يا عبده أهون عليك تعمل فيّ كده
_ سامحيني يا أم جمال
ولما استطاعت النهوض وسبقته إلى البيت، نظر لنا بخجل ولعن التليفزيون واليوم الأسود الذي ذهب به إلى هناك، أعلن عن تحمله المسئولية كاملة عن كل ما حدث، وقرر أن يتقدم في صباح الغد باستقالته.
قصة قصيرة: أحمد رجب شلتوت
كلنا نعرف عن "عم عبده" صراحته وشجاعته في قول الحق، ونقول أن الله أكرمه بنفس لوامة، فإن أدرك خطأه يعترف به، ويعتذر عنه، ويجاهد نفسه حتى لا يعود إليه، لكن عيبه، والطبيعي ألا يخلو أحدنا من العيوب، أنه أحيانا يترك نفسه لسورة الغضب فيبدو _ كما رأيناه جميعا عصر اليوم _ شديد الغشم. إذ علا صوته وهو يسب بألفاظ لم يسبق أن سمعناها منه، وكان يصرخ وهو يضرب جماعته الست أم جمال.
بدا وكأنه في حلبة ملاكمة، لم يركلها مثلا أو يصفعها كما قد نفعل جميعا، ولكنه ضربها بالبوكس عدة ضربات، ومنعنا الخجل أو لنقل الحرص من محاولة الفصل بينهما، فلو اقترب منهما أحدنا وقت العراك، قد يصور له الشيطان أن المقترب ينوي استغلال الموقف ليلمس جسد حرمه المصون، لذلك اكتفينا بالفرجة ومطالبته بأن يتركها وليصفي حسابه معها في البيت بهدوء. لكن الغضب أصمه وأعماه، فلم يرنا ولم يسمع لنا، واستمر يكيل لها اللكمات، وهي تفادت أغلبها بمهارة، لكن ما أصابها كان كفيلا بأن يسقطها أرضا، وربما يقتلها لولا بنيتها مفرطة القوة، لكنها رغم صمودها لعدة بوكسات انهارت مع أول ضربة من الرأس الصعيدي.
***
"عم عبده" اسمه الحقيقي "عبدالغني عبدالغني شهبور"، هو وأبيه لهما نفس الاسم ونفس الكُنية "الصعيدي" يقول كبارنا أن جده نزل القاهرة إثر رحلة نيلية شاقة مصطحبا زوجا وطفلين، حطوا الرحال غير بعيدين عن مقام "سيدنا الحسين" لكن أصغر الطفلين لم تحتمل صحته الضعيفة عناء السفر فزاد مرضه وفشلت محاولات علاجه، ولما فاضت روحه بكى شهبور وتشاءم من سكنه، وغادره إلى حجرة بالطابق الأرضي في منزل قريب من مقام "السيدة زينب"، وبعد شهور لحقت الأم بابنها فارتحل شهبور بابنه البكر عبدالغني وتنقل بين عدة أماكن بحسب ظروف العمل وقيمة الإيجار حتى استقر في بيت قريب من حارة الشماشرجي بالمغربلين.
هناك نشأ الطفل وكبر وتزوج وأنجب أولادا منح أكبرهم اسم "عبدالغني" ليس لأنه كان معجبا باسمه ولكنه رأى في ذلك نوع من شكر ربه الذي أغناه وأفاض عليه من نعمه، فاشترى البيت الذي تربى في طابقه الأرضي وهدمه وبنى مكانه بيتا آخر لازال يسكنه عبدالغني الابن حتى اليوم، عبدالغنى لم يتم تعليمه ويسافر إلى الخليج ثم يهجر الحارة والدرب الأحمر كله بعد العودة، كما فعل إخوته الأصغر منه، هو للحق رجل أصيل، لم يترك أبيه وساعده في إدارة الدكان الذي كان يبيع كل شيء، وهو نفس الدكان الذي شهد عصر اليوم معركته مع الست أم جمال.
عبدالغني الابن قبل أن يصبح "عم عبده" كان يفيض شهامة وشقاوة، أدرك الشبه الشديد في البنية والملامح مع المغني محمد قنديل فحفظ أغانيه ولم يكف عن ترديدها، كان يدرك أن صوته منزوع الحلاوة، فكان لا يهمس لنفسه بالأغاني إلا حينما تمر من أمام الدكان الجميلة التي أحبها، لحظتها يعلو صوته مغنيا:
_ يا حلو صبح يا حلو طل، يا حلو صبح نهارنا فل
لم يكن ينتبه للمارة لا للوقت ويطالب الحلو دائما بأن يصبح، وفي مرة سمعه عبدالغني الأب فضحك قائلا:
_ يصبح بعد العشا يا حمار، اقفل الدكان ويلا نروح
لم يكتف عبدالغني بترديد أغاني قنديل ولكن حاول تقليدها، فكتب أغنية أسر لأبي باعتباره أقرب الأصدقاء بكلماتها:
_ بعد دكانتنا بشارع كمان، حلو ساكن من زمان، أنا بحبه من زمان، واسمه بهيجة حسين عثمان
لحظتها ضحك أبي قائلا له: "ما تقول كمان رقم بطاقتها"، ونصحه بأن يدخل البيت من بابه، بالفعل طلب من أبيه أن يخطبها له فرفض ليس لعيب في البنت، ولكن لعيوب في أبيها شيخ الحارة، باختصار هو رجل لا يحبه أحد، يعرفون أنه مؤذي وإن شيخ الحارة ليست وظيفة ولكن قناع لمن يعمل مرشدا للبوليس وإنه يتربح منها إما بقبض أموال من المشبوهين حتى لا يبلغ عنهم أو مقابل التواطؤ مع مؤجري الشقق المفروشة، ولأن الحرام لا ينفع فقد نزع الله البركة مما كسبه حسين عثمان من أموال فمات مريضا معدما.
المهم الحاج عبدالغني شهبور ركب دماغه الصعيدي، ورفض وساطات الأصدقاء والجيران، أقسم ألا يضع يده في يد البصاص، لكن في النهاية حنث في قسمه ووضع يده في يد حسين عثمان، يومها اتهم أبي بتحريض صديقه على ترك البيت والدكان، أبي وهو يحكي لي أقسم بأنه لم يحرضه وحتى لم يعلم بنيته في الطفشان، فوجئ مثل الجميع باختفائه، وشاركهم في البحث عنه، لكن معرفته بأسرار صديقه جعلته يخمن أين يجده، رافق الباحثين إلى حيث توقع، ورأوه يدفع عربة التين الشوكي ويصيح بصوته الأجش:
_ أبو حلاوة يا تين
عانقه الأب ثم عنفه ثم لامه قبل أن يلين ويعلن موافقته على الخطوبة، لكنه ظل على عبوسه لسنوات فلم يغيره فرح ابنه ولا ولادة طفلتين، لم يضحك إلا مع المولود الثالث، أصر على تسميته "جمال"، حمله بين يديه وقبله ووضع في ملابسه حفنة جنيهات قبل أن يرده لأمه قائلا:
_ تعيشي وتربي يا أم جمال
***
مشكلة "عم عبده" الحقيقية سببها أنه لم يعد قانعا راضيا بما حصل عليه، يبرر طمعه بعدم الاطمئنان إلى المستقبل، استغل موسم الانتخابات ونزول المرشحين إلى الشارع، وطلب من مرشح الحزب أن يعينه في وظيفة تضمن له معاشا إن اضطر للتخلي عن الدكان، واتسعت ابتسامته وهو يضيف:
_ يا ريت سيادتك تكون الوظيفة في التليفزيون
ولم يجد النائب صعوبة في تلبية الطلب الذي وصفه بالبسيط، فكان عم عبده يغادر الحارة صباح كل يوم ليباشر مهام وظيفته كعامل أسانسير في مبنى الإذاعة والتليفزيون، وترك مهمة فتح الدكان ومباشرتها للست أم جمال، وكان في المساء يسهر قليلا، وكنا كعادتنا يخرج كل منا بكرسيه خارج دكانه وتتقارب الكراسي ليتصل حبل السمر ولم يكن يقطعه إلا قدوم زبون ما، فيقوم أحدنا لتلبية الطلب ثم يعود إلى مجلسه، ليسمع حكايات عم عبده عن المذيعين والممثلين الذين يصعدون معه الأسانسير يوميا.
***
قلت لكم إن مشكلة عم عبده الحقيقية في عدم رضاه بما قسم الله له، فبعد ثلاثة شهور فقط من وظيفته طمع في المزيد، قال لنا مرة إن الفكرة شعشعت في دماغه وهو سهران في البيت مع الولاد وأمهم، شافوا حلقة من "ليالي الحلمية" وسألوا أبوهم عن الأحداث والشخصيات وهل هي حقيقية أم اخترعها المؤلف، فالرجل قال لهم " لا أعلم"، والست أم جمال ترحمت على أبيها وقالت:
_ لو كان جدكم الباشا عايش كان قال لكم الحقيقة، الله يرحمه كان يعرف كل حاجة
عم عبده فوت لها حكاية الباشا ومحبش يجر شكلها، وفكر في حاجة تاني خالص، فعلا حسين عثمان كان يعرف حاجات كتير، وكان يسجل كل ما يعرفه، ليس فقط في بلاغات لضباط المباحث ولكن في أجندات احتفظ بها، كل أسرار الحارة وفضائحها بيتا بيتا، سجلها الرجل في أجنداته، من أيام الكتابة بالقلم الكوبيا وحتى عصر القلم الجاف وهو يدون ويملأ الدفاتر، يبدو أنه لسبب ما كان يجد نفسه مضطرا للتخلص من بعض دفاتره، فلما فتح الورثة سحارة الكنبة البلدي لم يجدوا إلا أربع عشرة أجندة فقط، وملف به أوراق مفردة، فتنازلوا عن حقهم في الكنبة وما حوته للأخت الكبرى بهيجة.
عم عبده كان أيضا حسن النية أو شديد الثقة في السيدة حرمه فباح لها بالفكرة، تفتح السحارة وتخرج الأجندات، وهو يقرأ الأسرار ويصنع منها مسلسلا عديد الأجزاء مثل ليالي الحلمية، أكد لها أن المخرجين والممثلين كلهم أصحابه، يصعدون معه الأسانسير يوميا، وسوف يرحبون بالفكرة، كل المؤلفين يفعلون ذلك.
لم ترحب بالفكرة، هي لا تثق أصلا في قدراته كمؤلف، وتخجل من عمله بأسانسير التليفزيون، فتلك وظيفة لا تليق باسم عائلة أبيها، كتمت هذا الخبر عن أقاربها وحكت لبناتها أن جدهم الباشا لو كان حيا لطلقها منه، وهو لم ييأس وكلما انفرد بها أعاد المحاولة وهي لا تلين، فلما عاد اليوم وقابلته عندما دخل الدكان بابتسامة أردفتها بسندويتش جبنة رومي يصطبر به على الجوع، طمأنته أن الأكل جاهز فقط ستقوم بتسخينه، وهو رجاها أن تأتي له بالأجندات بعد الغداء، ضاقت بإلحاحه وعنفته، أكدت على أنها لن تفرط في ريحة أبيها ولن تكشف أسراره، وإن أراد الحصول على دفاتر الباشا فليرجع لأصله وأصل أهله ويسرقها.
علا صوتها وأعادت كلامها لتتأكد من وصوله لأسماعنا، عندئذ تبدل الرجل، لم يعد الحاج عبده الذي نعرفه، صدرت عنه أصوات كرغاء الجمل، بصعوبة استطعنا تمييز بعض كلامه، يشتم أبيها البصاص، قال أنه مات من الجوع، وأنه كان يرمي بلاه على الفرن ليمنحوه يوميا رغيفين إحسان وصدقة، ثم يجلس بجوار حائط "البيباني" ليأكلهما على ريحة الكباب، اتهم الرجل بأنه كان يقصد المسجد الأزرق كل يوم جمعة ليس ليصلي وإنما ليتسول من المصلين، كانت كالمصعوقة، تسمعه غير مصدقة، فلما حكى عن التركي المفلس الذي ملأ القلل بالماء وجعلها سبيلا للعطشى، فإن أمسك أحدهم بقلة أمره أن يشرب من غيرها، أكد على أن التركي صاحب القلل هو جدها عثمان.
ردت بأن جدها الباشا أفضل من جده الذي جاء من الصعيد عائما فوق بلاص مش، عندئذ وجه لها أول بوكس، ولم يستطع أن يوقف نفسه حتى سقطت أمامه، رآها تترنح، ثانيتين وارتطمت بالأرض، انحنى ليمسك بها فوجدها غائبة عن الوعي، حملها إلى داخل الدكان، تبعناه لنراها ترتجف وتفيق حينما صب فوق رأسها جردل الماء، مسحت الماء عن وجهها وهي تتباكي وتلومه:
_ بقى كده يا عبده أهون عليك تعمل فيّ كده
_ سامحيني يا أم جمال
ولما استطاعت النهوض وسبقته إلى البيت، نظر لنا بخجل ولعن التليفزيون واليوم الأسود الذي ذهب به إلى هناك، أعلن عن تحمله المسئولية كاملة عن كل ما حدث، وقرر أن يتقدم في صباح الغد باستقالته.